آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العقيدة والفكر   أبحاث في الفكر الإسلامي
عدالة السماء لا تقلب الآراء والأهواء



مرات القراءة:3008    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

عدالة السماء لا تقلب الآراء والأهواء

 

  الدكتور محمود أحمد الزين رحمه الله

 

الديمقراطية هي المعيار الأسمى لنظام الحكم في عالم اليوم، يعتز بها من يعيش في ظلها، ويحلم بها المحروم منها، ويدعيها من لا يعمل بها دعاية لنفسه وتستراً، وهم ربما يكونون معذورين؛ لأنهم لم يعيشوا في ظل نظام الإسلام: نظام العدالة السماوية في الأرض، ولم يروه مطبقاً بالحق في الواقع المعاصر، وأكثريتهم الساحقة لم تطلع على صورته الحقيقية فيما مضى من الزمان، وربما اطلعت على صور عنه قد شوهت عمداً أو جهلاً، فهم ينتقدون الإسلام حين لا يسمعون فيه كلمة الديمقراطية، ويعتبرون ذلك أشد ما يكون من الانتقاد. 

وليس يخفى على أهل العلم أنه لا يجوز عند البرهان على إعجاز القرآن، إعجازاً تشريعياً أن نقول هو معجز لأنه نظام العدالة السماوية في الأرض؛ لأن ذلك يعني ـ في منطق العلم ـ أننا نقول: إنه معجز؛ لأنه إلهي، مع أن خصومنا لا يوافقوننا على ذلك، فطريق الحوار المنطقي أن نثبت أنه نظام إلهي؛ لأنه معجز، وهو معجز؛ لأن البشر لا يمكنهم أن ينتقدوه بحق، وإذا انتقدوه كان نقدهم زائفاً، والكشف عن زيف نقدهم هو برهان الإعجاز؛ لأن البشر لا يرقى أحد منهم فوق الانتقاد.

 

وقضية الديمقراطية واحدة من أهم القضايا التي نختلف عليها معهم، وينتقدون التشريع الإسلامي فيها، ويزعم بعض منا أن الإسلام دين الديمقراطية تخلصاً من ذلك النقد، وتسمية للأشياء بغير أسمائها التي تعبر عنها، دون مراعاة الفروق الجوهرية الكثيرة، كأنما يقرون للخصوم بأنها نظام الحكم الأفضل، ونحن نقول: نعم ولكن بالقياس إلى ما يعرفون من أنظمة الحكم الواقعة في العالم، لا بالنسبة إلى نظام الإسلام، إلا أن هذا الواقع رسخ في أذهان الكثيرين أنه إذا لم توجد الديمقراطية في بلد من البلدان فذلك بلد تحكمه الدكتاتورية والاستبداد، ومن رفض الديمقراطية فهو يريد غيرها، وغيرها هو الاستبداد ولا شيء غير ذلك، ويزيد ذلك الواقع سوءاً أن الأكثرية الساحقة من شعوب العالم الإسلامي لا يحكمها نظام الإسلام، لكن المتعمق في النظر إلى هذا الواقع يعلم أن دول الاستعمار هي التي فرضت ذلك على شعوب الإسلام، إما بواسطة حكام يوالونها، وإما بواسطة حكام تضطرهم ظروف ضعف العالم الإسلامي إلى السكوت، وإن كانوا في قناعتهم وتوجه قلوبهم يريدون الإسلام.

ولعل الذين يزعمون منا أن الإسلام دين الديمقراطية دعاهم إلى ذلك أن واقع الحكم الإسلامي الصحيح ترضى فيه الأكثرية الساحقة بالحاكم وبمن يختارهم من أعضاء الشورى والحكم، ويرضى الجميع ـ دون اختلاف ـ بالدستور القرآني، وأساسيات التشريع، ومهمات تفصيلاته، وما يتفرع في ضوئها، لكن هذا وإن صح فهو نقطة لقاء بين الديمقراطية ونظام الإسلام، وليس توافقاً تاماً بينهما، والمقارنة النظرية والعملية تظهر الفرق بينهما، وتميز الخبيث من الطيب، إن شاء الله تعالى

ففي الديمقراطية ـ حين تطبق بلا تزوير ـ يكون للأكثرية حق اختيار المشرعين، وحق اختيار السلطة التنفيذية، أي الحاكم وأعوانه، ويكون لأولئك المشرعين حق التشريع الكامل : ابتداءً من الدستور إلى أدق تفاصيل التشريع، فتغيره قليلاً أو كثيراً أو تلغيه وتضع نقيضه، كما يحدث بعد الثورات، وإن كانت بعض الدول أو أكثرها تشترط أن تعرض تغييرات الدستور على الشعب حتى يقرها أو يرفضها أكثره، لكن الأكثرية قد تكون من الجاهلين الذين لا يقدرون الأمور حق قدرها، والذين يسهل خداعهم، وقد تكون من الأشرار أهل النزوات، فيكون التشريع على مستواها ـ فقد أقر كثير من مجالس التشريع الغربية زواج الرجال بالرجال في المحاكم، مع أن علماءهم يسمونه في دراساتهم الاجتماعية والنفسية والطبية شذوذاً ـ وإن سماه الإعلام: زواج المثيل؛ إمعاناً في التزوير ـ وتكشف دراساتهم عن أضراره الاجتماعية والنفسية والصحية ـ ويكون التنفيذ حينئذ على مستوى هذه الأكثرية ذات التوجهات الشاذة في تحكم النزوات الشهوانية، وتكون معاملة الأقلية المخالفة على نفس المستوى، كما حكم البرلمان اليهودي في فلسطين بنزع الأراضي من المسلمين المقيمين فيها وتسليمها لليهود، بل حكم بطرد كثير من الفلسطينين من البلاد أصلاً، وكل ذلك باسم الديمقراطية. 

والديمقراطية في مثل هذه الحالات لا تكون فائدتها إلا إقرار واقع البلاد على ما كان عليه من خير أو شر، وإعطاؤه الصبغة الشرعية، وأظهر مثال على ذلك أن البلاد التي يسودها نظام القبائل حين دخلتها الديمقراطية لم ينجح في انتخاباتها التشريعية إلا زعماء القبائل الكبرى، ولم يصل إلى القيادة التنفيذية إلا من وافق عليه هؤلاء، وكذلك حصل مثل هذا في الاتحاد السوفياتي حين قاد الحزب الشيوعي العمال والفلاحين فكونوا أكثرية قامت بالثورة، وكان فيها انتخابات للمجالس التشريعية وللهيئات التنفيذية، وكان الحكم ديكتاتورياً بإقرارهم، وسموه هم ديكتاتورية البرويتاليا.

وفي الولايات المتحدة ارتقى كرسي الرئاسة ممثل كانت صحافة بلاده تتندر على جهله في السياسة، وهذا كان بالأمس القريب جداً، ولا ينبغي لنا أن نعجب بعد هذا إذا قرأنا في الصحف مراراً عن الفضائح الخلقية لرئيس دولة عظمى من أكبر دول العالم، وأشهرها في الديمقراطية، وأشد من ذلك ـ ولا ينبغي أن نعجب أيضاً ـ أن الصحف تحدثت عن محاسبة المجلس التشريعي له، وعلقت على ذلك بأنه لا يحق لهم أن يحاسبوه؛ لأنهم ليسوا أحسن منه حالاً، وذكرت صحف تلك الدولة أنه أُلف كتاب ينقل أخبار شهود العيان عما يجري داخل مبنى المجلس التشريعي من فساد خلقي في تلك الدولة، وعن الشيكات التي يصدرها بعضهم بلا رصيد، ولا ننسى أن هؤلاء وصلوا إلى مناصبهم بواسطة الانتخابات النزيهة.

والديمقراطية نفسها هي التي أقرت من منبر الأمم المتحدة أن تفعل الحكومة اليهودية في فلسطين ما تشاء منذ عام ثمانية وأربعين إلى اليوم: سنة ألفين وأربعة، والأمم المتحدة هي التي شرعت للدول العظمى أن تمتلك أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها في الوقت الذي تحرم على كل الدول الأخرى أقل مقدار منها، وشرعت للدول العظمى حق النقض ـ نقض ما تقرره الأكثرية ـ ولا ينبغي لأحد أن يعجب؛ لأن كل ذلك حصل بتحكيم الأكثرية في التشريع وفي التنفيذ، ولا ينبغي لأحد أن يستنكر؛ لأن هذه ديمقراطية، ولأن الديمقراطية أفضل نظام حكم على الإطلاق!!

وهذا كله إذا غضضنا الطرف عن تزييف الديمقراطية بواسطة تزوير الانتخابات في بعض البلاد، وعن إجبار القيادات السياسية أو العسكرية للناخبين على اختيار معين في بلاد أخرى، بل انحدر الأمر إلى منع الأكثرية من الشعب أن يكون لها حزب يمثلها بقرارات برلمانية ـ ديمقراطية طبعاً ـ وكذلك إذا غضضنا الطرف عن اللعب بالرأي العام للناخبين بواسطة أجهزة الإعلام وأساليب الدعاية المتنوعة في أكثر البلدان. أيمكن أن يقارن هذا النظام بالإسلام، إلا إذا قصد بيان الفرق العظيم؟!

وحتى تكون المقارنة عادلة لا بد من التعرض عند بيان أساسيات نظام الحكم في التشريع الإسلامي إلى حالة صحة التطبيق وحالة خطأ التطبيق، وتجاوز النظام كما سبق في الحديث عن الديمقراطية.

 

وأول اختلاف بين النظامين: هو أن الإسلام فيه أمور تشريعية قاطعة لا تحتمل الخلاف، وهي تشكل دستوراً ثابتاً وتشكل أساسيات التشريع، وكلاهما نابع من عقيدة الأمة كلها بأنه تشريع الله الذي يريد لعباده أن ينظموا حياتهم بنظامه الأحكم، كما نظم سبحانه الكون: أرضه وسماءه وكواكبه بأحكم نظام.

والاجتهاد والشورى في هذا التشريع يعملان ضمن نطاق هذا الدستور والأساسيات وفي ضوئها، وهذه القاطعات غير قابلة للمناقشة ولا لإعادة النظر، لا من الأفراد، ولا من مجالس الشورى والتشريع؛ لأنه كله مرتبط بعقيدة الأمة، وهي واحدة، وبالأخلاق الإنسانية، وهي الميزان. 

وحق الناس في اختيار الحاكم ينطلق من ذلك أيضاً، فالكلمة ليست لكل فرد، ولا للأكثرية، ولا للمنـتخبين الذين تروج لهم الدعايات وشعاراتها البراقة الخلبية، ولكن الكلمة في الاختيار لمن ترضاهم الأمة في أحوالها الطبيعية قيادات، وتعتبرهم قدوة لها، وهم أكثر الأمة علماً بتلك المبادئ، وأكثرها امتثالاً لتلك المبادئ، منهم: أهل الشورى، ومنهم القضاة، فهم: مجلس واقعي يعيش معه الناس، يستشيرونه ويوجههم دائماً، ويختار لهم الحاكم الأفضل ممن يتوفر فيهم شرط العلم بالمبادئ والامتثال لها. ويعمل الجميع تطبيقاً واجتهاداً وابتكاراً ضمن الإطار الواحد، ليس المهم أن يتقيدوا بطريقة معينة للاختيار ـ فالأمة تثق باختيارهم وحرصهم على الأفضل في كل حال ـ ولكن المهم هو توفر الشروط الشرعية فيمن يختارونه، والثقة بأنه يبذل كل جهده في إقامة شرع الله بين الأمة، كما أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة/49]، ولما كان الخلفاء الراشدون موضع اتفاق الأمة على أهليتهم ـ وكذلك بقية العشرة الذين توفي رسول الله  صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم ـ كان الاختيار في العهد الراشدي محصوراً بينهم، وإن اختلفت طريقته فإنها لم تخرج عن اتفاق أهل الحل والعقد أو أكثرهم، فاختيار الصديق كان ضمن فئة منهم، واختيار عمر كان بعهد من الصديق، والأمة كلها تثق باختياره، واختيار عثمان كان ضمن فئة معينة حددها عمر بناء على أن هذه الفئة مرضية عند رسول الله  صلى الله عليه وسلم، الذي لا ترتاب الأمة كلها فيمن يفضلهم، واختيار علي كان لجوءاً من أكثرية أهل المدينة إليه؛ ليتدارك الأمة فيقودها في ذلك الوقت المضطرب جداً بحكم الشرع الإلهي، وتخلف معاوية عنه لم يكن لعدم الثقة به، كما صرح معاوية مراراً، وإنما للخلاف حول قتلة عثمان، ثم كان اختيار الحسن من طرف الأكثرية التي بايعت أباه، ثم كان تسليمه لمعاوية حكم الأمة صلحاً، أريد به دفع ضرر أكبر، وهو استمرار الحرب الأهلية الداخلية، ولكن شرط إقامة حكم الله كان أمراً مقرراً، وقاعدة عندهم مسلمة، لا اختلاف في وجوبها، وإن وقع الاختلاف في الجانب العملي منها، أو وقع التقصير في هذا الجانب، وكان وصول عبد الله بن الزبير إلى الحكم بقوة السلاح، وتبعه من تبعه من الأمة نظراً إلى أن ذلك وسيلة إلى إقامة حكم الله، وهو معروف بالالتزام به عملياً أكثر من منافسيه، فإقامة حكم الله هي الغاية ـ وإن وقع الاختلاف الشديد على الوسيلة.

 

والناظر في الديمقراطية يجد فيها وصول الرئيس إلى الحكم بالانتخاب، كما يجد الملك الوراثي، ويجد الدكتاتور الذي يعلن في برنامج حزبه قبل الانتخاب أنه سيحكم بالأسلوب الدكتاتوري، كما فعل هتلر، وكذلك تتناقض التشريعات بخلاف الإسلام ـ فحتى أولئك الذين أخذوا الحكم فيما بعد تسلطاً ووراثة كانت هذه الغاية ـ أعني الالتزام بإقامة شرع الله ـ هي التي أمسكت الأمة عن التصدي لهم، بمعنى أنهم ـ وإن أخذوا الحكم والسلطة بطريقة غير شرعية ـ كانوا ملزمين بنظام الإسلام في القضاء وبتعيين القضاة من العلماء المخلصين لله في إقامة شرع الله بين العباد، وهؤلاء الذين أخذوا الحكم بطريقة غير شرعية لا يمثلون الإسلام بل هم ـ في هذه المسألة ـ خارجون عن حكمه، فلا يحق لأحد أن يحتج بهم على وجود الاستبداد في نظام الإسلام، كما يقول خصوم الإسلام، فالإسلام حجة على مخالفيه، وليسو حجة عليه بداهة، وكان النقص الذي يقع في كل ذلك جزءاً من النقص الذي وقع في التزام الأمة بدينها. 

وكل الذي وقع من النقص لا يساوي شيئاً إذا قيس بالأضرار العظيمة، التي أصابت الأمة حين فرض عليها أعداؤها التخلي عن شرع الله بصور متنوعة، وهو أيضاً لا يقاس بالفساد العظيم الذي تعيشه الأمم ذات التشريع البشري في كل أنحاء العالم، فكل ذلك التقصير كان أثره أقل، بل لا يساوي شيئاً إذا قيس بغيره؛ لأن القاعدة كانت سليمة، فالمجتمعات الإسلامية لم تعرف قط استشراء أمراض الحضارة الأوربية الحديثة إلا حين سارت وراءها، وبمقدار ما سارت وراءها: تفتت الأسرة، وكثرة الفواحش والخيانة الزوجية وانتشار المخدرات والخمر والقمار وانتشار الجريمة، ومع ذلك لا تزال بلادنا أقل منهم في استشراء هذه الأمراض بسبب ما تبقى في حياة الأمة من آثار دينها، وتشريع ربها في قرآنه الحكيم.

 

وإذا أنت تتبعت أخبار واقع ذلك النظام الإلهي ـ يوم كان حاكماً على الأمة بحق والتزام ـ وجدت العجب العجاب، وجدت الحاكم الذي يسير بين الناس بلا حراسة، ويلبس الثياب المرقعة، ويعيش على أقل الطعام، ويخدم الفقراء بيده، ووجدت أعضاء السلطة التنفيذية يمتنعون من المناصب حتى يُكرهوا عليها، ورأيت المرأة توقف الحاكم ـ وهو يخطب ـ فتراجعه في بعض آرائه، وتقيم الحجة عليه فيتراجع، ووجدت أموال الزكاة تعرض على الناس فيتعففون عنها، ووجدت الناس سواسية كأسنان المشط، متعاونين كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، ووجدت الأمن شائعاً حتى في الصحراء (وتسير الظعينة ـ أي المرأة على ناقتها ـ من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله).

ووجدت الأقليات غير الإسلامية تعيش في حريتها الدينية أربعة عشر قرناً، لا تظلم إلا عندما يخالف ظالمها النظام الإسلامي، ووجدت أحدهم يقف مع أمير المؤمنين أمام القاضي وقفة واحدة بلا تمييز، ووجدت أحدهم يرفع دعواه على ابن الأمير فيأخذ حقه منه فيجلده بيده، ووجدت أن البلد ربما يفتح غدراً ـ من قبل قائد عسكري متسرع ـ فيرفع أهله الدعوى إلى خليفة المسلمين فيأمر جيوش الإسلام أن تغادر البلد فوراً فيغادرون، ووجدت الأخلاق تسود في حرب الفتوحات: (لا تقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً، ولا تغدروا). 

تلك هي ـ بإيجاز شديد ـ صورة نظام التشريع القرآني في الحكم، صورته النظرية وصورته التطبيقية، ونحن لا ننكر أن هذه الصورة الكاملة عاشتها الأمة في العهد النبوي والراشدي، ثم في فترات متقطعة أخرى، ولكننا ننكر أن تكون العهود التي بعد العصر الراشدي قد انحدرت الانحدار الشديد، الذي تصوره بعض الكتب التاريخية المتطرفة، ونؤكد أن القيادات ـ التي تمثل المبادئ الإسلامية علماً وعملاً ـ ظلت هي التي تقود الأمة وتوجهها وتقضي بينها، رغم تجاوزات الملوك في الوصول إلى الحكم، وظلت الأقليات غير الإسلامية تعيش تحت شعار {لا إكراه في الدين} [البقرة/256] والقوانين والقضاة هما روح الأمة وعنوان حضارتها، مهما تغيرت القيادة السياسية، المهم أن القاضي والحاكم والأمة يقدسون الدستور والقانون الإسلامي كل التقديس؛ لأنه إلهي، ولذا كان للقضاة في وجه الحكام المخالفين أعظم المواقف، وأمثلة هذا في تاريخ الإسلام كثيرة جداً في كل العصور، وأمام أعتى الحكام، وذلك هو الذي أمد في حياة المسلمين كأمة وكدولة عظمى، رغم وقوع الخلل في القيادات السياسية، بالإضافة إلى أن هؤلاء القضاة وأمثالهم كانوا هم موجهي الأمة ومربيها، وظلت المبادئ واحدة لم تتغير، وظل كل مخالف لها ـ من حاكم وقاض وفرد عادي ـ مخالفاً، لم يأت قرار يجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، والفساد صلاحاً والصلاح فساداً، والشذوذ استقامة والاستقامة شذوذاً، ويلغى الماضي إلغاءً تاماً، كالذي يكون في الديمقراطية، وقد وجدت فتاوى تبرر لبعض الملوك ما يفعلون، لكنها ظلت فتاوى مرتبطة بأسماء أصحابها، ولم تصبح هي المبدأ، بل ظلت الأمة طول تاريخها تزنها بميزان المبدأ الأصل، وتسميها زيفاً أوشذوذاً.

 

وهكذا يجد المنصف أن هذا النظام حين يطبق تطبيقاً صحيحاً يصور الحياة الإنسانية المثلى، وحين يطبق تطبيقاً غير سليم، أو يهمله أولو الأمر في الأمة يبقى منه خير كثير للأمة، ويندفع به ضرر كثير عنها، ولا تزال البلدان التي تنـتفع به في تشريعها ـ وإن كان ذلك دون تطبيق كلي ـ هي أحسن وضعاً أمنياً من كثير من دول العالم الديمقراطية، وكذلك فإن نظام الإسلام حين لا يطبق تطبيقاً سليماً يشهد على المقصرين بتقصيرهم والمعرضين بإعراضهم، فتظل موازين الحق والعدالة والإنسانية فيه قائمة كالمنار ، يؤثر في الظلمات مهما ادلهمت، ولا تؤثر فيه ، ويظل الباحثون عن النور والهداية يقصدونه، أو يستضيئون به ولو من بعيد ، وهذا مهم كل الأهمية ، 

وهو الفارق الأظهر بينه وبين الديمقراطية، وقد سبق في بداية هذه المقالات أن ذكرنا إقرار المجامع الحقوقية والمعاهد القانونية بقيمة التشريع القرآني، حتى في بلاد لا تعترف بالإسلام.

 

ولو أن منصفاً عاقلاً قارن بين نظام العدالة الإسلامية بجميع جوانبه وبين الديمقراطية نظرياً لرأى فضله عليها، فكيف لو قارن بين صورتيهما عملياً عند التطبيق الصحيح أو حتى عند التطبيق الناقص؟ لكن مشكلة الناس اليوم أنهم لا يعتمدون على العلم والعقل والمقارنة، وليس بين أيديهم صورة تطبيقية صحيحة يعرفون بها سمو التشريع القرآني في الحكم والعدالة، كما كانت الأمم المجاورة لدولة الإسلام في العهود القديمة ترى ذلك، فيدخلون في دين الله أفواجاً… أما اليوم فإن أمم الأرض تهزأ منا ومن واقعنا البعيد عن تلك المبادئ المثلى، وتحاول أن تقول لنا وللناس: إن هذا الواقع هو صورة تلك المبادئ الإسلامية فاتركوها وتعالوا إلى الديمقراطية !! 

ترى ماذا ستعطينا الديمقراطية غير تكريس هذا الواقع المرير وإعطائه الصبغة القانونية من خلال أكثرية لا تلتزم بدينها، أو من خلال سلطات تفرض نفسها باسم الديمقراطية، وتمنع مخالفيها من ترشيح أنفسهم للقيادة أصلاً، أو من خلال فئة ترتقي سدة الحكم بانتخابات تعتمد على الدعاية الخادعة للرأي العام، فمتى نصحو ونفتح أعيينا على الحقيقة ؟! ونقول لهم: تعالوا أنتم فانظروا أي النظاميين أعدل وأرحم وأنفع وأهدى سبيلاً ؟!…

 

انظروا هذا النظام الكامل العدالة، هذا النظام الذي لم تعلم له البشرية مثيلاً ولا مقارباً من حيث المبادئ العلمية، ولم تشهد له مثيلاً مطبقاً للعدالة الإنسانية والأمن والاستقرار في تاريخها كله، ثم اسألوا أنفسكم هل يستطيع أعلم البشر أن يأتي بهذا النظام؟! 

 

حتى يقر كل منصف منكم أن هذا النظام لم ينظمه إلا الذي أقام نظام السموات والأرض، ثم أنزله على {النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته} [الأعراف/158] {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} [النحل/11] و {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} [النحل/67].