آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    ردود وشبهات   قضايا معاصــرة
لكي تنتهي مشكلة المخدرات



مرات القراءة:2295    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

لكي تنتهي مشكلة المخدرات

الدكتور محمود أحمد الزين

 

لكي تنتهي مشكلة المخدرات

 

بقلم الدكتور محمود الزين

 

مشكلة المخدرات أصبحت أكثر المشاكل انتشاراً، وأكثرها تعقيداً، وأكثرها استعصاءً على الحل، رغم التعاون العالمي عليها في كل جوانبها: الإعلام والتعليم والقوانين والقوة والعلاج الطبي فلم كانت كذلك ؟!

ومن قبل حاولت أميركا منع الخمور ففشلت كهذا الفشل أو أشد، رغم أنها بلغت في العقوبة أقصى مداها، ثم اضطرت إلى تغيير القانون وإباحة الخمر كما كانت.

وأمامنا في التاريخ الإسلامي، بل في مطلعه تجربة واقعية في تحريم الخمور نجحت كل النجاح؛ إذ يحدثنا رواة الحديث أنه يوم أعلنت الأحكام القرآنية الجديدة: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة/90ـ91 يخبرنا رواة الحديث: أنه يوم أعلنت هذه الأحكام أسرع الناس بالاستجابة، حتى إن بعضهم كانت الكأس في يده فرماها إلى الأرض ولم يرفعها إلى فمه، وأن شوارع المدينة سالت مجاريها بالخمر (1) ، وهذا الخبر يكشف لنا عن قوة النجاح، وعظم الحل الذي أدى إليه، فسيلان الخمر في دروب المدينة يعني أنها كانت كثيرة، وأن الناس كانوا يدخرونها في بيوتهم، وأن القوم كانوا مولعين بها غاية الولع، ولكن رغبتهم في الاستجابة لأمر الله غلبت ذلك كله.

ما الفارق بين التجربة الإسلامية وبين التجربة الأمريكية ؟ أو التجربة العالمية اليوم في المخدرات ؟ ما الفارق الذي أدى إلى النجاح العظيم هنا والفشل الذريع هناك ؟

إنها فوارق وليست فارقاً واحداً، وعلى رأس تلك الفوارق علاقة الناس بالجهة التي أصدرت الحكم هنا، والتي أصدرته هناك، ففي الإسلام كان الناس جميعاً قد ترسخ في نفوسهم أن الأحكام التي تقوم عليها الحياة الإسلامية هي أحكام ربانية أنزلها خالق الإنسان، وهو يعلم ما يضره وما ينفعه علماً لا يدانيه علم، وهو يرحمه رحمة لا تدانيها رحمة، وليس له مصلحة من إصدار الأحكام سوى مصلحة عباده، وهو قادر على عقوبة من يخالفه قدرة لا تدانيها قدرة، وهو مطلع عليه إطلاعاً محيطاً دائماً فلا يخفى عليه خافية، هذا هو مصدر الحكم في الخمر وفي كل التشريعات الإسلامية حسب اعتقاد المسلمين، ومهما عظمت نظرة الآخرين إلى مصادر الأحكام البشرية عند هم، فلا تساوي جزءاً يسيراً من هذه النظرة

وهذه النظرة ليست مجرد معلومات ألقيت في ذهن الإنسان المسلم باردة، واستقرت فيه باردة بلا تأثير، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد نفوس أصحابه بالتربية تعليماً وتفهيماً وإقناعاً وكشفاً للمنافع والأضرار، ثم ترغيباً وترهيباً، وترقيةً للنفوس عن مستوى الشهوانية العمياء، حتى كانت التعاليم القرآنية جزءاً من الحياة اليومية تبدو في تصرفاتهم معبرة عن تعظيم الله وحبه، والخشية من جلاله وعذابه، وعن الرغبة في رضاه ومكافأته في عاجل الدنيا وآجل الآخرة.

وبالإضافة إلى هذا كانت النظرة إلى الحياة الدنيا ـ كجزء من العقيدة والتربية السلوكية ـ نظرة تعين على الالتزام بهذا الحكم وبكل الأحكام، وهي: أن الحياة الدنيا وجدت أساساً للتسابق في الخير، والابتعاد عن الشر ومقاومته، لا من أجل التمتع فيها بالنعيم، إنما التمتع فيها جزء من الضروريات والحاجات التي لا تقوم الحياة الطبيعية بدونها ومقدار من الرفاه لا يبلغ الإسراف، مع التقيد في هذا التمتع بالتعاليم الإلهية وحدودها، فيأخذ من الحلال، ويترك الحرام، ويبذل الزائد من الحلال بمقدار سخاوة نفسه لسائر إخوته، رغبة في التوسع الأكمل في متاع الآخرة الذي ليس له حدود ولا قيود، واتقاءً من الأضرار الفادحة في العاجل ومن العذاب الشديد يوم القيامة.

هذه المعاني كانت مفقودة عند أولئك الذين يكافحون الخمر، أو يكافحون المخدرات، بل الموجود عندهم هو نقيضها، فالحياة عندهم فرصة لاغتنام أكبر قدر ممكن من الشهوات، بلا حدود ولا قيود، بل التقيد في ذلك يعد جهلاً وتعقيداً نفسياً واجتماعياً عندهم.

والنصوص القرآنية التي بينت حكم الخمر نبهت على المفاسد والأضرار، التي تنشأ عنها ـ وهذا له أثره الكبير على ترسيخ ضرورة الالتزام في نفوس الأمة ـ نبهت على العداوة والبغضاء، اللذين يكونان بين السكارى حين يتفاخرون ويتنافسون، ويتحدى بعضهم بعضاً، وفوق العداوة والبغضاء هناك ذهاب العقل، الذي يؤدي إلى إهمال ذكر الله وهو القرآن، الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو عزيز على الأمة كل العزة، وإلى إهمال الصلاة، التي تصلهم بربهم، فتنور قلوبهم، وتسمو بها نفوسهم، وتقوى عزائمهم، فيلقون الحياة ومهماتها لقاء الأبطال الميامين، هذا الجانب جانب التنبيه على الأضرار كان بعضه ـ وهو الأضرار الصحية ـ موجوداً عند أهل التجارب الأخرى، وكذا الأضرار الاجتماعية، إلا أنه لم يأخذ حقه في التأثير بسبب القصور الكبير في الجوانب الأخرى.

وقد كان في التجربة الإسلامية جانب مهم جداً، وهو المعالجة الجذرية لدوافع شرب الخمور وتعاطي المخدرات، فما هي تلك الدوافع ؟ وكيف عالجها التشريع القرآني ؟

هذه الدوافع يعرفها أهل الدراسات الميدانية لواقع شاربي الخمور ومتعاطي المخدرات،

وهم يقولون: إن الدوافع نوعان:

أحدهما: الرغبة في المزيد من الملذات والشهوات.

وثانيهما: الهرب من الهموم والقلق وضغط مشاكل الحياة

أما الأول فله في التشريع القرآني علاج عام، وعلاج خاص. العلاج العام: هو ما سبق من تصحيح النظرة إلى الحياة الدنيا، وتقرير أنها حياة للتسابق في فعل الخيرات، والابتعاد عن الشرور للخلاص من عذاب الله، والفوز برضوانه ونعيمه، والعلاج الخاص: هو أنه يحرم على أتباعه الإسراف في الشهوات المباحة النافعة، كما يمنعهم من الملذات والشهوات المحرمة؛ لأن تلك التوسعات في الحلال تسوق إلى هذه المحرمات، وتشجع عليها.

وأما السبب الثاني لتعاطي الخمور والمخدرات:  وهو الهرب من الهموم وضغط المشاكل فعالجه التشريع القرآني علاجاً هو غاية في العمق والتدقيق والشمول، وفي مقدمة ذلك ترسيخ الاعتقاد بأن متاعب الحياة ومصائبها اختبارات، قدرها الإله سبحانه ليعلمنا بها الصبر على مغالبة الشدائد، وليعلمنا سمو النفس على النوازع، وليست مجرد مشكلات قذفها الناس، أو قذفها تيار الحياة في طريق الإنسان، وكان فوق ذلك الاعتقاد اعتقاد آخر: هو أن أهم شيء نعتمد عليه في مغالبتها والسعي في حلها: هو التوكل على الله، والاستعانة به، واللجوء إليه بالدعاء والتسبيح والصلاة، وذلك مع عدم الاستسلام للمشكلة، بل يبذل الإنسان جهده كله في حلها، كما جاء في الحديث النبوي: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (2 .

فالمشاكل المالية مثلاً تحل بالتعاون ضمن نطاق الأسرة ـ في حالة الفقر والضرورة، وهي الحالة الأهم ـ بواسطة نظام التعاون الإلزامي بين أفرادها، فيساعد المحتاجَ أبوه، ثم جده، ثم أخوه، ثم عمه، ثم ابن عمه، فإن لم يمكن فهناك الزكاة، فإن لم يمكن ففي واجب الأخوة الإسلامية إلزاماً أو تبرعاً عون كبير على حلها، ولا يعدم واحداً من هذه الحلول الواسعة، ولكل مشكلة من المشاكل المقلقة باب من أبواب الحل في التعاون الأخوي، الذي يفرضه الإسلام على أتباعه، هذا كله يكون مع ما أعده الله تعالى للصابرين من عون خاص من عنده لا يراه الناس، ومن ذخر روحي يملأ قلوبهم ويثبتها في معترك الحياة، ومن تعويض عظيم في الآخرة لا حدود له كما قال الله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر/10.

ثم إن الأهداف العظيمة التي كلف بها الإسلام أتباعه تملأ النفوس، فتشغلها عن الميل إلى الشهوات والملذات إلى درجة الاستغراق والدخول في الحرام، كما تشغل نفوس المصابين فتخفف عنهم، ويعوضهم ما فيها من نجاح وإنجاز عن شيء من مصابهم، فهذه الأهداف تنفع الفريقين ممن يمكن أن يتعاطوا المخدرات.

وقد فتح التشريع القرآني على أتباعه باب الأهداف العظمى على أوسع نطاق، من ذلك الجهاد في سبيل الله؛ لنشر مبادئ الحق والأخلاق، ولإنقاذ الناس من الظلم والضياع، وهو باب واسع لا نظير له في ملء النفوس، وتقويتها والرقي بها، ثم طلب العلم والاجتهاد فيه وفي تعليمه مجال لا يقل عن الأول أهمية وآثاراً، وفي التعاون على البر في خدمة الأمة مجال طيب أيضاً، وفي العبادة وما فيها من صفاء وسمو وكمالات مجال آخر طيب يملأ النفوس بكل الطمأنينة والراحة، هذا الباب الواسع وما فيه من آثار يشكل حاجزاً كبيراً بين الإنسان وبين الخمر والمخدرات، وهو الذي باعد بينها وبين المسلمين، لاسيما في عهد النبوة والخلافة الراشدة، هذا الباب ضيق عند الآخرين الذين فشلوا في مقاومة الخمر والمخدرات، ومهما اتسع لا يبلغ قدراً يسيراً مما هو في الإسلام.

وبعد كل تلك الحواجز عن الخمر والمخدرات أضاف التشريع القرآني العقوبة الجسدية، وهي أربعون جلدة أو ثمانون ـ حسب اختلاف العلماء في تقديرها وفهم نصوصها ـ والمقصود منها أن تزجر من بقي في نفسه شيء من الميل إلى الخمر بعد تلك الحواجز، أو من غفل عنها ولو إلى حين.

تلك هي الحلول الجذرية بإيجاز ودون استقصاء وتفصيل، وقد أحاطت بالمشكلة من جميع جوانبها، وهذه الحلول فاتت أولئك الذين عجزوا عن الحل مع كل الإمكانات الكبيرة لديهم، ولو أنهم تأملوا التجربة الإسلامية ودرسوها لحالفهم الحظ ولأدركوا سر النجاح، ولأدركوا أن هذا الحل لا يستطيعه البشر، لاسيما الأمي ابن الأمة الأمية والبلاد الأمية، إلا أن يكون قد أعلمه به الخلاق العليم حين أنزل عليه كتابه الحكيم {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود/1].صدق الله العظيم

_________
(1)
صحيح مسلم، في كتاب القدر، باب الأمر بالقوة وترك العجز، برقم (2664(.
(12)
انظر: صحيح مسلم، في المساقاة، باب تحريم بيع الخمر، يرقم (1578(.