آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    دعوته وعلومه    من تحقيقاته ومفاهيمه
الــروح



مرات القراءة:1896    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الــروح

 

قال الله تعالى : { ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً! } (الإسراء85 ) قال رضي الله عنه : في الكتب يذكرون وكثير من الناس يقولون: نحن لا نتكلّم في الروح لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتكلّم فيها.
الواسطة بيننا وبين الحق هي الروح لا الجسم { فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } [الحجر 29] .
{ يسألونك عن الروح ؟ قل الروح من أمر ربي } [الإسراء85] يعني الروح من عالمَ الأمر، وليس من عالمَ الخلق، عالمَ الخلق عالمَ الأجسام، الروح عالمها عالمَ الأمر .
{ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ؟ } [الذاريات 21] نفسكم موجودة فيها بآن واحد الروح وموجود فيها الجسم، نفسك جسمك من قائم به؟ الروح قائمة به .
الروح لا تموت، يموت الجسم { فإذا سويته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين } [الحجر 29] أي شخص تريد ولو من ألف سنة يكون معك الآن!
الأرواح لا تتعدد، التعدُّد للأجسام .
الروح من عالمَ الغيب، من عالمَ الأمر، قال تعالى {ويسألونك عن الروح ؟ قل الروح من أمر ربي } الجسم من عالمَ الخلق، قال تعالى {ألاَ له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين } [الأعراف 54 ] .
الروح من عالمَ النور، عالمَ الروح قبل عالمَ الخلق بألفي سنة .
الله تعالى قال له { قل الروح من أمر ربي } والجواب على ذلك: أن الروح من عالم الأمر لا من عالم الخلق، قال تعالى { ألاَ له الخلق والأمر } [الاعراف 54 ] فعالم الخلق هو عالم الأجسام، وعالم الأمر هو عالم الروح { ألاَ له الخلق والأمر } { قل الروح من أمر ربي } لا من عالم الخلق، هذا هو الجواب!
الروح مربوطة باللطف واللطافة ، الروح عالمها عالمَ اللطافة لأنّها ليست بجسم، فالجسم عندما يأكل يملّ، والروح عندما تأكل تتغذّى، التعارف الحقيقي للأرواح لا للأجسام، الفرح الحقيقي فرح الروح، فإذا فرحت الروح يخف الجسم، بل لا يبقى جسم، الروح تحنّ إلى الرقي، أينما سمعتْ بروح عالية انجذبت إليها لتتحقق بتلك المرتبة .
روح الوجود كلّها واحدة ! مثل القوّة الكهربائية، لا تنفك ولا تتجزّأ، ضربنا لكم مثلاً بالقوّة، فالقوّة الكهربائية في بلد واحدة، القوّة فيكم واحدة، تظهر استعداد الإناء، القوّة التي وضعها فينا مثل القوّة التي تعطيكم الكهرباء .كنتُ سمعه.. كنتُ بصره.. (1)
.
العين لنا، لكن البصر له، الأذن لنا، لكن السمع له، القلب لنا، لكن السرّ الإلهي له { إن القوّة لله جميعاً } [البقرة 165] .
القوّة الكهربائية تسري في السخّان فتُظهِر استعداده للتسخين، وتسري في البرّاد فتُظهِر استعداده للتبريد، وهكذا، مع أنها واحدة، الروح في الإنسان تُظهِر استعداد الأذن للسمع، واللسان للنطق، والعين للبصر.. مع كونها واحدة .
الروح الموجودة في العالمَ واحدة، ليست متعدّدة، التعدُّد في الإناءات في الضوئيات، هذه نمرة خمسة، وهذه نمرة مائة، وهذه النمرة محددة للإناء المادي لا للمعاني، النور والروح والمعاني لا تتجزّأ، والروح لا تنفصل ولا تتجزّأ، مثل الشمس إذا فتحتَ الشباك تدخل الشمس، وإذا أنـزلتَ الستارة لم تبق شمس .
الروح مدبرة لهذا الجسم فقط هذه وظيفتها، وبدونها يقع الجسم ميّتاً، تناديه فلا يردّ، وبعد يوم أو يومين تنتن رائحته، فالإنسان بروحه، بهذه الروح، المراد هناك روح الأشياء هو الفهم هو النور الإلهي، الروح حاملة للجسم وحاميته، ومجمّلته .
عالمَ الأرواح غير عالمَ الأجسام، فعالمَ الأرواح يمكن أن يكون في حلقة خاتم أو (كشتبان) (2)
.
قال تعالى { فإذا سويته ونفختُ فيه من روحي ..} كلنا من روح الله! أنت من روح الله، وأنا من روح الله، وكل إنسان من روح الله، وحين يموت الإنسان فالروح لا تروح عنه مثل ما كنا نفهمها تدخل الجسم وتفارق محلها، فهي ما دخلت لكي تخرج! لأن الداخل لابدّ أن يكون جزأً، وروح الوجود كلّها واحدة لا تتجزّأ، والروح الموجودة في جسم الإنسان لم تنـزل من عالمها ليقال خرجت منه، هذا غلط! وهذا خلط!
الروح من حيث القوّة لها من الجسم ثلاث حالات مع كونها باقية في عالمها :
نظر قوي عندما نكون أحياء، نظر ضعيف عندما ننام، نظر أضعف عندما نكون أمواتاً
الجسم عبارة عن جلدة! والروح هي الحاملة وليست محمولة، الروح حاملة للجسم وحاميته، والموت ليس ضد الحياة، بل هو عزل الروح عن تدبير الجسم، وهي باقية في عالمها، والجسم آلة للروح، والحق لما يريد أن يميت العبد يأمر الروح أن تترك تدبير الجسم، الروح لاتفنى ولا تموت، الروح هي القائمة بالجسم، والجسم مثل الثوب، والحق عزّ وجلّ لما يأمر الروح يعزلها عن تدبير الجسم .
الموت: عبارة عن انتقال من عالمَ الظلمة إلى عالمَ النور، الموت ليس ضد الحياة، وإنما هو مرتبة من مراتب الحياة .
الموت جسر بينك وبين الحق جلّ وعلا، الموت لابدّ منه، وهذا كمال.
الموت عبارة عن مرور من مكان ضيق أو ظلماني أو كثيف إلى مكان عالٍ لطيف، الموت الحقيقي هو الجسر، الموت عبارة عن مرور من عالمَ كثيف ظلماني إلى عالمَ عالٍ لطيف نوراني.
الموت انتقال من الجهل إلى العلم، من الكثافة إلى اللطافة، من الموت إلى الحياة بالله .
الروح لا تتكلّم إلاّ بالسرّيانية، الأرواح في الدنيا والآخرة لا تتكلّم إلاّ بالسرّيانية، العجمي روحه سريانية، التركي روحه سريانية، العربي روحه سريانية، الإنكليزي روحه سريانية.
الروح لطيفة، عالمها دائماً بين الملائكة، الروح ليست جزأً جاءت علينا، لا! لكن لشدة اتصالها بالجسم تحصل بصورة هذا الجسم الموجود { ونفخت فيه من روحي } [الحجر 29] هل الله جسم حتى يتجزأ؟ من يحسن (أي يقدر) أن يقول لي: أن الأنوار تتجزأ؟...
الروح لها مراتب: القلب، العقل، النفس؛ السرّ كلّه واحد، نور غير متعدد في الإنسان، كلّه نور واحد، لكن هذا النور نـزل في متعلقه، إذا كان متعلقاً بالأكلات والشهوات نسميه نفساً، وإذا كان متعلقاً بالتقلبات نسميه قلباً، وإذا كان متعلقاً بالميزان نسميه عقلاً.. وهكذا حسب المتعلق لأنّه واحد .
نحن أول شيء لنا نفس، ثمّ نترقى إلى عالمَ العقل، ثمّ نترقى من عالمَ العقل إلى عالمَ الروح، ثمّ نترقى من عالمَ الروح إلى عالمَ الّذات الأعلى.
الروح ليست جسماً لتمسكها، السرّ الإلهي وهو الإرادة، الحق متوجّه لأن يحمل هذا الجسم! إذا راحت الإرادة: لم يبق واقفاً يقع على الأرض ميّتاً! الروح حاملة الجسم، الروح من حاملها؟ الله حاملها.
لا أموات عند الله، الحكم في الإنسان للروح لا للجسم، الجسم حكمه حكم الثوب، الحياة غير الروح، والحياة سارية في كل ذرّة من ذرّات الوجود.
{ويسألونك عن الروح؟ قل الروح من أمر ربي }[الإسراء85] الروح عالمها لا من هذا العالمَ! لأجل ذلك لا تموت، عالمها عالم النور عالم اللطافة.
القرب بيننا وبين الله هو الأرواح، قال صلى الله عليه وسلم : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف (3 )
ما تعارف منها في الأزل ائتلف في الدنيا، وما تناكر منها في الأزل اختلف في الدنيا، الأرواح تعرف بعضها بعضاً، شمّامة تشمّ بعضها بعضاً.
الآن الروح واحدة، العوالم كلّها روحها واحدة {ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } [الحجر29] لكن الجسم الإنساني فيه كل الكمالات، برهن أنه أجمل وأكمل كل المخلوقات، لأجل ذلك صلح لأن يكون خليفة لله سبحانه وتعالى، نضرب مثالاً: الضوء الموجود الآن هنا في الغرفة كم عندنا ؟ كم بلورة؟ مائة، مائتين خمسمائة، حلب كم فيها؟ آلاف، ملايين هذه كلّها قوّة واحدة، أطفئ القوّة من هناك تنطفئ كل الأنوار..فالروح ما نـزلت على الجسم، ولا حلّت في الجسم ولا دخلت الجسم، ولا طلعت من الجسم، الروح في عالمها تنظر في هذا الجسم، لها ثلاث نظرات نظرة قوية كما هو الآن نحن، نقوم ونقعد ونأكل ونشرب وغيره..النظرة الضعيفة لما نكون نائمين، النظرة الأضعف لما نكون أمواتاً، فالموت ليس ضد الحياة، لا! بل هو مرتبة من مراتب الحياة، أكثر الناس يفهمون الموت ضد الحياة، لا! بل مرتبة من مراتب الحياة، الحياة صفة من صفات الّذات الإلهية، وصفات الّذات الإلهية لا تموت، الموت عبارة عن عزل الروح عن تدبير هذا الجسم الإنساني .

 -----------------

(1) أخرجه البخاري في صحيحه : ( 6137 ) . 5/2348.
(2)
: الكشتبان: غطاء معدني صغير، يضعه الخياط في إصبعه حمايةً له من إبرة الخياطة عند استعمالها .
(3 )
صحيح البخاري برقم (3158) 3/ 1213.