آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    دعوته وعلومه    أسس منهجية الشيخ التربوية
مراقبة الله



مرات القراءة:2320    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

مراقبة الله :

إذا عرف العبد أن الله تعالى يراه ويراقبه في كل أعماله ويعرف ما ينطوي عليه قلبه من خير وشر أحس بأثر هذه الرقابة في سلوكه ، والتزم بما أمره الله به ، لأنه يستحي من الله تعالى أن يراه في مواطن المعاصي والشبهات .

والعبد عند ارتكابه للآثام يستحي أن يراه أحد في تلك الأماكن فكيف إذا شعر برقابة الله عليه ، فإن حياءه من الله يزداد ، ويخشى الله ويهابه ، والإنسان لا يخاف إلا إذا ارتكب إثماً ، فما يخيف الإنسان هو الإثم .

والقلب إذا غلب عليه حب الله تعالى والتعلق به فإنه لا يلتفت إلى غيره من الخلق ، اكتفاء بما شغل به ، واذا ضعف تعلق القلب بالله تعالى فقد يلتفت القلب إلى الأهواء والملذات الحية ، وهذا القلب إذا كان نقياً وطاهراً فإن تذكيره برقابة الله عليه يولد لديه شعورين ، الحياء من الله والهيبة منه ، وفي كلتا الحالتين تشعره الرقابة بوجوب رعاية حقوق الله عليه .

أما القلوب القاسية والمريضة فإنها لا تشعر برقابة الله عليها وإذا ذكرت بذلك أعرضت عن الحق ، وزاد انغماسها فيما هي فيه من الشهوات والملذات .

وعندما يربى الطفل على الإيمان والعقيدة الصحيحة ، ويعتاد منذ طفولته أن يراعي حقوق الله في سلوكه ، ويستشعر في قلبه أن الله تعالى معه ويراه فإنه يشعر بأثر رقابة الله له ويستحي أن يراه الله في مواطن الإثم .

كانت هذه المعاني الراقية والسامية تثير في القلوب مشاعر روحية عجيبة ، كانت توقظ النفوس من غفوتها وتسقي القلوب بمياه عذبة من القيم العالية ، فيرتقي الإنسان من عالمه المدنس بالأ وحال إلى الفضاء الأعلى الذي تتحرر فيه النفوس من عقالها وتحلق الأرواح في السماء فرحة سعيدة بلقاء ربها ، وما أجمله من لقاء .

وإن الأرواح لتشتاق كما تشتاق الأرض ، الأرض تشتاق لماء الحياة لأنها تجد فيها سبباً لعطائها ، فإذا عطشت الأرض اصفرت وتشققت وساء منظرها ، متطلعة إلى ماء الرحمة من السماء يعيد إليها بهاءها ويبعث فيها إرادة الحياة ، فتهتز طرباً وفرحة وسعادة  وكذلك النفرس البشرية تحن إلى أمطار الرحمة المبشرة ، التي تنهض بها إلى العوالم العلوية ، حيث الفضاء الفسيح الذي لا تقيده العقول ، ولا تحجبه نظرات قاصرة ، لا تدرك من الوجود إلا حيث تمتد قدرات العيون على الأبصار .

ولنتأمل قليلاً ملامح ذلك العبد المستضعف بقدراته المحدودة وهو يرى الله تعالى ينظر إليه ويراه ويحيطه برعايته ويتولاه ، فيأتيه شعور غريب عجيب كالبرق السريع يدق بابه ، يعانقه ويهمس في أذنه سراً من الأسرار، ويغادره كما جاء ، ويحاول أن يمسك به فلا يستطيع ذلك ، فقد سلمه الأمانة وهمس في سره بما جاء يحمله، فينتاب ذلك السالك شعور عجيب ، لا يدري هل هو شعور الفرحة أو الحزن أم شعور الرجاء أو الخوف ، أو شعور الهيبة أو الأنس ، فيصرخ أو يبكي أو يقفز من مكانه في الهواء كأنه يحاول أن يلحق بذلك الزائر الوارد ، ويعود إلى بيته وهو في حالة استغراق وذهول ، ويشعر في أعماق كيانه بأنس عجيب ، ويطوق بساعديه الدنيا المحيطة وكأنها في قبضته ، وتحيطه أسرته الصغيرة بالرعاية والحب ، فلا يلتفت إليها ، ويطوقه الحنين إلى ذلك الهمس العجيب الذي ملك عليه لبّه ، ويتعلق به ، ويبقى مشدوداً إليه ، وتبتدىء رحلته الجديدة من عالم قديم ألف ظلماته إلى عالم جديد تشرق فيه الأنوار في قلبه ، فتحيل وحشته إلى أنس بربه ، ويشعر بالدفء العجيب يدعوه في كل ساعة إلى ذلك الحضن الروحي الذي يطوقه ويشد أزره .

تلك هي الأحوال التي يرتقي بها السالك سلالم السمو إلى الله تعالى الذي ينادي عباده في كل لحظة أن يؤمنوا ولا يشركوا به أحداً ، وأن يعملوا الصالحات من الأعمال وأن يتواصوا بالصبر والرحمة .

ذلك هو الخطاب الذي يوقظ القلوب من غفوتها ، ويطهرها من كل ما هو مذموم من الصفات والخواطر ، لكي يكون العبد مطية للخير ، وجسراً للفضائل ويسعى في خدمة الخلق وهم عيال الله  يساعدهم ويناصرهم ويدعو للتآخي الإنساني ونبذ السلوكيات الخاطئة والأنانيات الضيقة .

وفي هذا المجتمع تحقق الإنسانية امتدادها وتحد فضاءها بعيداً عن الإقليميات الضيقة والمدافعات المذمومة والمغالبات التي تجسد تخلف القيم الإنسانية وتراجع المعايير الأخلاقية .

ما أروع ما كان الشيخ يقوله لأصحابه عن استشعار رقابة الله على قلوبهم وسرهم ، كان يقول ذلك بكلمات هادئة صادقة لا تكلف فيها  كل حرف يخرج بهذا الصدق والإخلاص ينبت في الأرحام ذلك الكم الهائل من المشاعر والعواطف ، وتستقر الكلمات في الأعماق وتحدث في القلوب ذلك الأثر العظيم من التأثير في السلوك ، إلى أن ينقلب ذلك الإنسان الأناني الجشع إلى رمز إنساني يفيض بالرقة والرحمة ، ويرفع شعار الإخاء والإيثار من غير تكلف ، وكأن الدنيا غير الدنيا ، وكأن البشرية قد استحالت إلى كتلة متراصة متكافلة ، يحمل القوي الضعيف والغني الفقير ، وتزول الحجب والحواجز ، وتمتد الجسور فوق الوديان السحيقة رافعة شعار التواصل الإنساني ومبشرة بإنسانية جديدة ، تقدمها التربية الإسلامية كمنهج للإصلاح الاجتماعي والإقلاع من مطارات التخلف إلى الفضاء الإنساني في هذه القرية الكونية التي ضاقت أحياؤها المجاورة بالمجازر الحربية المخجلة والمنازلات اللاأخلاقية التي أرعبت أطفال المهاد ورفعت شعارات الحروب على الرايات ، وأطلقت سهامها في كل مكان . ولابد من العودة إلى تربية روحية ، تعيد النقاء والصفاء إلى ملامح عصرنا ، تهذب الطباع ، وتطوق الشر وتنشر الخير ، وتعد مجتمعنا المعاصر بسلام يحققه العدل ، وبأمن يحميه المستضعفون في الأرض ، الذين سيمكن الله لهم أمرهم وسينصرهم على رموز الشر.