آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
كلمة للشيخ هشام الألوسي



مرات القراءة:2047    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

 

 

 


كلمة للشيخ هشام الألوسي

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فهذه وقفة مع علم من أعلام الإسلام، وسيّد من سادات الصــوفيّة العظام، ووارث لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .الشخصيّــة الفذّة التي تهابها الملوك والرؤساء والأمراء، والولاية الكبرى التي تغبطها العلماء والأولياء، والرجـولة التي تنبض كمالا، وتفيض رحمة، وتشهد لها المواقف، النــّور الذي شعّ في جبين حلب الشهباء ليوقظ أمـّـة بعـد أن رقدت، وينهــض بها بعـد ما وهنت، ويسير بها في مدارج الهدى والفلاح.

وانطلاقاً من البداية... رأى رضي الله عنه وهو في ريعان الشباب أمّة غافلة، ومجتـمعاً ضائعاً يحكــمه الفرنسيّون، وتتجاذبه التقاليد والعادات البالية، وخليط المعتقدات والأفكار، فآثر المحجّةَ البيضاء، واجتنب الخليط، وعَرَفَ الإسلام: نوراً إلهياً جامعاً للكمالات كلّها، فالتزم به من جميع الوجوه، وأعطاه الأولوية دون كلّ مآربه، ولم يدع نصيباً لغيره على سلَّم مطالِبــه .

عاش رضي الله عنه حصانة فكريّة وعقائدية وأخلاقية، بكل ما تعنيه هذه الكـلمات من معانٍ وأبعاد، ووعى الـظرف  ـــ زمـانا ومكانا ـــ يهتف به أن املأني قبل فوات الأوان، فابتدأ مرحلة التغيير في النفس قولاً وفعلاً وحالاً وخلقاً ونيةً، جاعلاً من ظرفه 
فَإِذا فَرَغْتَ فانْصَبْ.وإلى ربك فارغب [سورة الانشراح 7]  وأفرد قلبــه وقالبه لدائرة تجرُّد كــامل، موحداً همّه وهمّته في شأن واحد، هو الله سبحانه، تاركاً الدنيا بكـل ما فيها من مغريات وأهواء، وأمضى زهرة شبابه في العزلة والخلوة وطلب العلم، مستغرقا بالله ورسوله، مهتماً بتزكية نفسه، يترقى في آفاق سيره وسلوكه، فانجلت بصيرته وصفت سريرته، وطهّره الله من الأغيار، وعبّأ قلبه بالأسرار، وأوصله إلى حضرة الشهود، فنال ما نــال وظفر بالمراد .

وفي الأربعين من عمره رضي الله عنه ظهر في قلب مجتمعه داعياً، فانطلق بعزيمة لم تفتر، وهمّة لا نظير لها، متحمّلاً الصعاب، صابراً على الأذى آخذاً بالممكن من الأسباب، مجدّداً للألف الثاني، متحققاً بمرتبة العبدية، وحاملاً لواء الوراثة المحمّديّة، مجددا لها لبقية الدهر، فكانت ثمرات أتعابه ونتائج مقدماته طاقةً تتفجر، وهالةً تتوهج، وينابيع تتدفق، وأيادي تفيض بالخير، لتمسح دمعة الحزن عن كل بائس، وتداوي مرضى القلوب والنفوس بالخدمة والنصيحة، وهو ليس بالبعيد عنهم في الطوارئ، وإنما في كل ميدان هو الفارس، وفي كل موقف هو صاحب الراية، فهــدى الله بـه كثيراً من الناس، وأبان به طريقة محمّدية ربّى على نهجـها أمـة مهـديّة، تجسّــد فيها قــوله عليــه الصلاة والسلام:
(( لا تزال طائفة من أمــتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك )) وأحدث رضي الله عنه ثورة اجتماعية ونهضة إنسانية ومشاريع إصلاحية تعجز عن النهوض بها دولة آنذاك، وهذا كلّه دون أن يؤلف حزباً أو يتسلم وزارة، وكـان لــ (حلب الشـهباء) شرف احتضانه، فـشــمـخت بـــه، وحظيت بعصــرها الذهـــبي، حتى أصبحت حلب هي السيّدالنبهان،

والسيّد النبهان حلب، وذلك شأن رجالٍ /
صَدَقُوْا مَا عَاْهَدُوْا اللهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَمَنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر، وَمَاْ بَدَّلُوْا تَبْدِيْلاً [سورة الأحزاب33] فهو ميم لدائرة الكمال، الّتي تمد خيوط نورها إلى كلّ النقاط على المحيط وتجذبها، وتحرك كوامنها، حتى يتبدى منها ذلك النور.
فعالم النفس: يلحظه طبيباً متفرداً بعلل النفوس وعلاجها .
وعالم الاجتماع: يذهل لعلاقاته النزيهة، وخدمته الصادقة، إذ يجده وحدة طوارئ عامة لكل محتاج وذي فاقة
والاقتصادي: يتعرف على مصرف رباني، رأس ماله مهيأ للصرف، وهو لا يكتفي بما يفيء إليه من استثمارات وتبرعات وهبات بل ينفق كل ما عنده ويستدين .
والسياسي: يعجب للهيمنة والإدارة والدراية، والحكمة والعدل وحسن المعاملة والرعاية والتأثير المصلح على التيارات السياسية.
والقانوني: لا يرى فيه إلاّ منهج حياة مستقى من دين الله، يعتمد الالتزام به على الحب والإجلال.
والفيلسوف: ينتقل من حيرته بإشكالاته إلى حيرة بشخصية الرجل الّذي يجد الحل عنده لكل ما أشكل عليه. وليس لمدعي المدنية الزائفة وعديم الإنسانية من حظ عند هذا الولي الكبير إلاّ التوبة والندم والاعتراف بالخطأ والتقصير .
وهكذا شأن شخصية الوراثة المحمدية، الّذي تخلق وتحقق بالعبدية، واستغرقت روحه وكيانه الكمالات المحمدية، فهو حجة على من سواه، يغترف منه كل من رآه، ولا عجب أن يقول عن نفسه: 
((لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين))!
وكانت معالم شخصيّته وما ظهر عنها من مثل عليا وكـمالات، وما بدر منها من مواقف ومآثر ومنجزات الدافع الأول إلى الشروع بمؤلف عنه، يجمع من مآثره وتعاليمه وتوجيهاته ما يردُّ الإنسان إلى فطرته وإنسانيته، ويبعث فيـــه روح التمســـك بالكتاب والسنّة في جميع ميادين الحياة، ويضع الخطة والمنهجية والموازين لسالكي طريق القوم أهل الله وعامة المسلمين والإنسانيين، وليعلم الذين وهنوا أنّ الأمّة التي كانت  / خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ [سورة آل عمران 110] لا زالت ـــ وسـتبقى ـــ بعون الله تزهو وتفخر، فإنّ رحمها المحصن لَينجب، وإنّ سماءها لَتمـــطر، وإنّ أرضها لتزهر برجالٍ / صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبْديلاً / [سورة الأحزاب 23] .