آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
كلمة للدكتورأحمدالكبيسي



مرات القراءة:2138    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الشيخ : محمد النبهان رضي الله عنه

 

بقلم :الدكتور أحمد عبيد الكبيسي
استاذ الشريعة والقانون في جامعة بغداد ــ سابقاً ـــ
والمقيم في دبي حالياً


 


الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد:
فقد بعث الله سبحانه وتعالى نبيه محمّداً رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات الى النور ومن الضلالة الى الهدى ومن الجهل الى العلم
: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (آل عمران:164)
(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة:151)
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحديد:9)


ولقد أعد الله رسوله محمّداً إعداداً كاملاً لحمل الأمانة وتبليغ الرسالة وهداية الناس فعلمه ما لم يعلم: 
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء:113) (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت:48)

ولقد هيأ الله لهذا الرسول الكريم جالاً يخلفنه على هذا الدين حملا الاية من بعده أوصلوا الرسالة الى الناس فكانوا الوارثين: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا  ) (فاطر:32) وهؤلاء علماء الأمة
(بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت:49)
وكانوا بذلك مختلفين في درجة العلم والطاقة والفهم وقدرة الاستنباط :
(  فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)(فاطر: من الآية32)فمن لم يفرغ جهده للعلم فقد ظلم نفسه وقصر عن بلوغ الشوط المطلوب ، ومن أفرغ جهده وفرّغ نفسه اهذا العلم فقد اقتصد ، وبقي الصنف المختار: وهم الذين فتح الله عليهم أبواب المعرفة فأولئك السابقون بإذن الله وهم السابقون بإذن الله وهم الراسخون في العلم  ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )(آل عمران: من الآية7) تقتص آثارهم ، ويقتدى بفعالهم وينتهي الى رأيهم ، وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم ، ويستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وأنعامه أولئك هم أولياء الله من العلماء العاملين والهداة الصالحين الذين يحبهم ويأمر الملائكة بحبهم ثم يضع لهم القبول في الارض ، وهم الذين يعلمهم الله علماً ، وهو الفتح الرباني على عباده العلماء العابدين الوارثين لرسول الله وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل بما عمل ورّثه الله علم مالم يعلم ) وقول صلى الله عليه وسلم ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير فكان منها أجاوب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وزرعوا فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم ) وهؤلاء هم الوارثون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن العلماء ورثة الانبياء ، إن الانبياء لم يورِثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ) وسمة هؤلاء ان يخالط الكتاب قلوبهم ، ويحدد العلم سلوكهم ويقربهم من الله سبحانه وتعالى غاية القرب:(لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج:54)

وكما قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ( العلم علمان :علم في القلب فذلك العلم النافع ، وعلم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم) وروي عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى ، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرّة بالله عز وجل ) وهؤلاء الذين أدركوا ما لم يدركه غيرهم من أسرار أمره تعالى في عباده .

والشيخ محمّد النبهان عَلمَ طار ذكره ، وانتشر خبره بين الناس فيما بين العراق والشام وأماكن أخرى ، حفظ الناس عنه أقوالا وأحوالا شتى ، وانتسبوا اليه وساروا على نهجه في السلوك ، ومنهجه في الطريق إلا ان شأنه في ذلك شأن كل أعلام الأمة أصابه ما أصابهم جميعاً من اختلاف الرأي فيهم وتفاوت الفهم فيما حولهم ، إضافة الى تلك العلّة الخالدة التي اخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الابتلاء : قالوا : يا رسول الله : أي الناس أكثر بلاء ؟ قال: الانبياء ، قيل ثم من ؟ قال: العلماء وهذه سنة الله في تمحيص عباده
:(و لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31)
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2-3)وهذه ظاهرة في التاريخ الإسلامي لم يسلم منها خليفة راشد ، ولا عالم عامل ، ولا محدث جليل ، ولا داعية مخلص ، وكان ذلك قدر العاملين من أعلام هذه الأمة الذين فاضت في سيرتهم الألسنة بين لوم وذمّ أملاها الهوى والحسد احيانا ، والجهل وسوء الفهم أحيانا أخرى ، ناهيك ضغائن الطائفية ، وأحقاد المغرضين ، ونوازع النفس البشرية التي تستمرىء القدح في الناس ، وتتوق الى قالة الباطل ومقالة السوء.
ان الحكم الشرعي في مسالة الحكم على الناس صلاحاً وفساداً يقوم على مدى الامتثال والإتباع كتاباً وسنة من حيث الظاهر ، والله اعلم بالسرائر ، فماذا يقول الشيخ محمّد النبهان؟
( إن مما منَّ الله تعالى عليَّ به أن رزقني اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله وأخلاقه) ويقول: ( الشريعة أخذت لبي ، أنا في الشريعة كالسمكة في الماء إذا خرجت من الماء تموت ،وأنا كذلك إذا خرجت عن الشريعة أموت ) ويقول: لو أن واحداً عمل بأعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها من أولها إلى آخرها ، ولكن لا بنية الإتباع لايستفيد ولا كلمة ولا ذرة البتة إلا بنية الإتباع)
( الكيس الذي يسبق صدقه حبه ، فإن الصدق والاتباع لسول الله ينشأ عنه الحب الإلهي الكامل )

الرجل المحبوب إلى الله الكامل ) ( الرجل المحبوب إلى الله حقاً هو الذي يتبع أوامر الشريعة ،  علامة إتباع  الرسول صلى الله عليه وسلم إتباع الشريعة)
من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم صار عنده ميزان يميز به : يتبع الخير ويبتعد عن الشر )
( لوان رجلاً مسك السماء والعرش والفرش وطلع ومسك الوجود ، لا تؤمنوا به إذا خالف أدباً من آداب الشريعة فكيف إذا خالف الإسلام لا من مسلم)
وقد وصف الصوفي بقوله : ( الصوفي لا يعمل إلا لله تعالى ، ويشهد أن العامل هو الله ، فلا ينسب لنفسه شيئاً بل يقول :(  ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الجمعة:4)
أهل الله الكمّل : لا يعملون على الناس مشيخة فيقلدون أهل الطرق ، بل يكونون ناصحين مبّينين قال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذريات:55)
سئل عن التقوى فقال: التقوى هي الإتباع، فهذا رجل أقام الحجة على نفسه وعلى الناس ، حيث حصر نفسه بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رجل عاش مع الله تعالى فأحسن التعامل مع كتابه : أحسن تلاوته باللسان ، وأحسن تلقيه بالقلب ، وأحسن تدّبره بالعقل ، وأحسن تعليمه للناس ، عاش مع رسوله فأحسن التعامل مع سنته ، فهو العالم المحقق بين العلماء ، والواعظ والمذّكر في المجالس ، والداعية الجوّال في كل أرض الله حيثما يكون المسلمون وطلاب العلم ، وهو رجل من ابرز علماء التفسير في عصره ، وهبه الله تعالى البصيرة في كتابه ، وجعله في الراسخين في العلم فيه ، فتح عليه بالخواطر الجميلة في معانيه ، وبالمسائل الدقيقة في أحكامه ، وبالدرر اللامعة في إشاراته وأسراه، كان وقور الحركة ، كثير الإطراق ، شديد الصمت ، لا تلمح في قوله ولا فعله رنة الزهو ولا لذة الشهرة ، إذا داخلته إلى تكشف لك عن موهبة إلهية تستتر عادة بين الحياء والحشمة ، وجذوة نورانية غالباً خلف التضرع والتواضع ، ثم هو مع ذلك صحيح الفهم لما يسمع ويقرأ، سليم الفكر فيما يرى وفيما يشير دقيق الحس فلا يهوى الجدل ، سليم الصدر لا يحمل على احد ، رقيق القلب لا يقسو نفاح اليد لا يبخل ولا يدخر إذا نظرته أحببته ، وإذا خالطته ازددت له حبا حتى إذا ما فارقته تملكك الحنين إليه والشوق إلى لقائه مرة أخرى ، إذا رايته يذكر الله تعالى بدا لك من وجله ما تعرف منه مدى إيمانه ، وإذا تطلعت على سماحة يده ورحابة صدره وزهده ظهر لك من ذلك مدى تقواه ، وإذا جالسته وسمعت منه تحيرت في مدى علمه وحدود معرفته ، فإذا أحصيت الناهبين من طلابه ومريديه وسبرت غور أنفسهم وعقولهم تكشف لك أن وراء ذلك معلماً ومرّبياً كريماً ، وشيخاً يعرف أين يضع الحبّة وكيف يسقيها حتى تزهو وتزدهر، لا تسمع منه يوما حديث المتبجح عن كرامة ، ولا نظرة المزهو بالخوارق ، ولكنك لا تجلس إليه إلا ويتجلى لك بصيص من كشفه ، ووميض من مشاهداته ، وإذا تكلم نطق بالحكمة ، وإذا تحدث جرت كلماته خلف فراسة صادقة وحماسة ناطقة ، ففي سيرته عبرة لكل سالك ، وفي سريرته زاد لكل مهاجر ، إذا رأيت وجهه ذكرت الله تعالى ، وذا سمعت كلامه ذكرت الآخرة ، وإذا تقصيت خلاله وشمائله عرفت كيف يكون أولياء الله.

إن الشيخ محمّداً النبهان : كان سبباً لنزول رحمة الله تعالى على الكثيرين بالتوبة والإنابة والهداية والاستقامة ، اجتمع من حوله الناس لذكر الله ، واكتض مجلسه بالقادمين لطلب العلم وسلك الكثيرون مسالكه في اتباع الشريعة وحسن التعامل مع كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،

تلك هي بعض سماته ومواهبه ، رضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا وإياه حيث يكون 
(الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)(النساء: من الآية69) 

وصلى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

من مقدمة كتاب السيد النبهان ط2