آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
كلمة د.عثمان العمر نفحة من سيرة السيد النبهان



مرات القراءة:5324    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

السيد محمد النبهان رضي الله عنه

بقلم الشيخ الدكتور :

عثمان بن عمر المحمد


 

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ومولانا وقرة أعيننا محمد عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات ، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وأترضى عن أصحابه الأبرار وأهل بيته الأطهار، وأتباعه الأخيار، ووراثه الذين جددوا لنا هذا الدين وكشفوا عنه الغبار ، وعلى رأسهم عالم الأمة والمجدد العارف بالله سيدي ومولاي الشيخ محمد أحمد النبهان رضي الله عنه ، وقدس سره العظيم، مؤسس دار نهضة العلوم الشرعية وراعيها ( وهي المدرسة التي تخرجت فيها ولي شرف الإنتساب إليها ، وغالب هذا الجمع ممن تخرج فيها وانتسب إليها ، وهو انتساب نعتز به جميعاً

 

الحديث عن هذا السيد العظيم والفرد الجليل شيّق ٌ وصعب ، لأنك مهما كتبت عن عظمته وعلوّ شأنه فأنت مقصر ، ولن تصل إلى حقيقة أمره وعلوّ كعبه، فهو فرد زمانه ومجدد الدهر سمعت من السيد رضي الله عنه ذكر حديث التجديد على رأس كل مائة سنة يبعث الله مجدداً لهذا الدين وعلى رأس كل ألف سنة قال : وللدهر مجدد وأسأل الله أن أكون هو ، هذا ماسمعته من السيد رضي الله عنه . لذلك نقول : سؤاله لله إن شاء الله هو محقق

نتحدث عن رجل سبق خاصة َ أهل زمانه ، حتى قال عنه أحد العارفين الكبار ممن اجتمع به : ما حصلناه بثلاثين سنة تجاوزه الشيخ النبهان بنصف ساعة) والقائل لهذا الكلام هو العارف بالله الشيخ محمد الهاشمي رضي الله عنه ، سمعت من أخينا الشيخ منير حداد في بيته في المدينة المنورة قال : زار السيدُ النبهان الشيخ محمد الهاشمي وحان وقت صلاة الظهر وأقيمت الصلاة فقدم الشيخ صاحب البيت الشيخ محمد الهاشمي سيدنا في صلاة الظهر فصلى سيدنا النبهان صلاة الظهر إماماً بالشيخ الهاشمي والموجودين ، والتفت للتسبيحات وسأل سيدنا الشيخ محمد الهاشمي سؤالاً في المحبة فتكلم بمقدار عشر دقائق ثم سكت ثم أخذ الحديث سيدنا النبهان وتكلم في المحبة إلى أن نظر في الساعة وقال بقي لصلاة العصر عشر دقائق قوموا للسنة البعدية ، في هذه المناسبة قال الشيخ محمد الهاشمي رضي الله عنه : ما حصلناه بثلاثين سنة تجاوزه الشيخ النبهان بنصف ساعة.

سبق غيره بهمته العالية النادرة ،وكان كثيراً مايكرر في مجلسه يشحذ همم الأحباب والأتباع والمريدين قول الشاعر:

 

ومذ كنت طفلا فالمعالي تطلبي وتأنف نفسي كل ماهو واضع

ولي همة كانت وهاهي لم تزل على أن لي فوق الطباق صوامع

 

وكان يعبر عن هذه الهمة بقوله: المجاهد سيار والمحب طيار

 

فهو محب مجاهد رضي الله عنه

محبته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم محت عنده السوى فأصبح همه وشغله الشاغل هو الله سبحانه وتعالى ولذلك كان يقول: منكم من يريد الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة ، فأين من يريد الله تعالى؟ كما يروى أن سيدنا علياً رضي الله عنه دخل المسجد فوجد في زاوية من زوايا المسجد أعرابيا يقول : يارب شويهة تصغير شاة، وسيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه في زاوية أخرى يقول : يارب أريدك فقال سيدنا علي رضي الله عنه : شتان ما بين الطلبين

 

كان يقول: ما أخذ قلبي من المخلوقات سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أحيانا : لوأخذ قلبي غير رسول الله لأخذه سيدنا محي الدين بن عربي رضي الله عنه

 

قال عنه السيد الحبيب عبد القادر السقاف رحمه الله و رضي عنه : زرت الشيخ محمد النبهان في حلب فوجدته شعلةَ نورٍ وآية من الآيات لاتدرك، بلغ مرتبة من الكمال لايدانيه فيها شيء)) ا.هـ

وهذا الكلام كان في بيتي في المدينة المنورة وبحضور جمع من الأحباب منهم أخي الشيخ الدكتور محمود الزين

فاق السيد أقرانه بل قل إن شئت : فاق شيوخه بصدق وجهته إلى الله تعالى فاستوى عنده التبر والتبن ، وهذا ما كنا نراه ونشهده في صحبتنا له رضي الله عنه ، علماً أنه كان يعمل في الدنيا فيزرع الآلاف من أكياس البُرّ والشعير ويأتيه من المحاصيل الزراعية الشيء الكثير، ولكنه كان يقول: أنا لاتجب علي الزكاة لأنني أنا وما أملك لله ، تحقق بعبوديته لله فما ملك شيئاً لنفسه ، وإنما كان يكرر قوله: من أنا حتى يرضاني الله أن أكون خادماً لعباده ، أنا الخادم الحقيقي ، ( سيد القوم خادمهم ) ولم يكن هذا مجرد كلام بل كان ينفق كل مايأتيه من مال ثم يستدين ويعطي، وكان يقول رضي الله عنه : ليس الكرم أن تعطي السائل ولكن الكرم الحقيقي ألا تحوج السائل الفقير لذلّ السؤال بل تفتش عنه لتوصل له حاجته من غير سؤال لأن الله تعالى يقول: ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)) فقد لايسأل الإنسان المحتاج حاجته ، فهل يترك حتى يموت جوعاً؟ لذلك الواجب علينا أن نفتش عنه حتى نوصل إليه حاجته.

 

عاش حياته كلها وما ملك بيتاً يسكنه بل كان بيته مستأجراً ، علماً أنه اشترى لأعدادٍ كثيرة من الناس بيوتاً وملّكهم إياها، أماهو فلم يملك بيتاً لسكناه ولم يشتر لأحد من أولاده بيتاً ، ترفّع عن هذه الدنيا واعتبرها ملكاً لله ، كان نزيهاً مع الله فلم يطلب منه دنيا ولا آخرة ، وإنما طلب وجهه الكريم فهو إلهٌ يستحق العبودية ولولم تكن جنة أو نار. ولذلك لما كان في طريقه للحج في السفينة وهو في المذاكرة مع الأحباب والمريدين جاء شيخان وجلسا في حلقة الدرس ، فقال الشيخ الشامي رحمه الله للسيد رضي الله عنه : مولاي هذان الشيخان من أهل الفهم فقال أحدهما: يا مولاي أنا نفسي غالية علي لا أبيعها إلا بالجنة فرد السيد وقال له على البديهة: ملكْتَ فبعتَ ، أما أنا فأنا وما أملك لله ، ما ملكتُ حتى أبيع ، فسكت الرجل ولم يتكلم كلمة واحدة طوال الجلسة

 

كانت يداه أندى من السحاب كرماً وعطاء وسخاء ، ويصدق فيه قول القائل:

 

ما قال لا قط إلا في تشهده         لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ

 

أحباب الكلتاوية ، أحباب السيد النبهان :

 

السيد مهما كتبنا عنه ومهما تحدثنا عن شخصيته فلن نوفيه حقه ، ولقد التقينا في هذه الحياة بكثير من العلماء والصلحاء والأولياء والوُرّاث ،رضي الله عنهم جميعاً نُكِنّ لهم كل تقدير وحب  ولكن لم تر عيني شخصية فذة نادرة تسلب القلوب كسيدي الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه.

زرت في المدينة المنورةعلى ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم الشيخ سليمان الواعظ الذي خدم الحضرة الجيلانية أربعين سنة وكان من محبي السيد رضي الله عنه فقلت له يامولاي بعض أحباب سيدنا النبهان يفتشون عن مربٍّ بعدوفاة الشيخ فمارأيكم ؟ قال : إن كان ارتباطك بجسم الشيخ ففتش عن جسم آخر وإن كان ارتباطك بروح الشيخ فلا تفتش عن أحد ، الشيخ موجود.

وما رأيناه في حياته إلا صادق اللهجة ، صادق الهمة و العزيمة ، صادق الوجهة إلى الله تعالى ، ولم يكن شيخ طريق كبقية الشيوخ التقليديين من المتصوفة ، حدث أن أحد زواره كان جالساً في مجلسه وفي يده سبحة وكان الشيخ يتحدث فالتفت إلى زائره وقال له ماهذه التي بيدك؟ قال : سبحة يامولاي أسبح بها، فقال له الشيخ: لم تُرض الله ولم تُرض جليسك ( حدثني من وقعت معه هذه الحادثة ) أنت مع الله في تسبيحك ، أم معي في سماعك للحديث ؟ أعط الله حقه في التسبيح في خلوتك وأعط المجلس حقه في سماعك لما أقول.

 

ولاأعلم أنه أعطى لأحدٍ طريقاً كما يفعل مشايخ الطرق الصوفية ، ولا أخذ منهم عهداً ، وقد أذن ببعض الأذكار والطريق على ندرة .

 

وكان جل همه أن يربي رجالاً أصحاب شخصية ذاتية مع الله تعالى ، لايعرفون إلا الله ، ولايتوجهون إلا إليه. يحاسبون أنفسهم على الصغيرة والكبيرة ، حتى على الخاطرة ، ويشدد على حفظ السمع والبصر والفؤاد ،( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً )  ينهض بهمة أتباعه وجلسائه ويرقى بهم ويسمو بأرواحهم إلى الملأ العلوي ، فمُجَالِسُهُ ينسى نفسه ، ولايعرف من ْ بجانبه بل يعيش محلقاً فوق المادة مع الله ورسوله وأحباب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

له تحقيقات ونظرات في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سبقه إليها أحد .

ومنها تبرئة السيدة زليخا ومنها عصا سيدنا موسى عليه السلام ( تلقف مايأفكون) يعني تلقف الإفك وتبطل السحر فعادت الحبال حبالاً والعصي عصياً ، ولو نحن تصفحن الآيات القرآنية بعد شرح السيد لهذا المعنى نقول: لايصح إلا هذا المعنى ، ومنها شرحه لحديث سيدنا أنس : خدمت رسول الله عشر سنين ، كان يقول السيد رضي الله عنه : هذا في الحقيقة مدح لأنس أنه ما أحوج رسول الله لأن يقول افعل أولا تفعل فهو مريد صادق يعلم مراد رسول الله منه فينفذه قبل أن يطلب منه شيء وإلا فأين مقام المؤدب ؟؟ وهذا الشرح ذكره أخي الشيخ محمود الزين وذكرناه لأستاذنا في الحديث في المدينة المنورة الشيخ حبيب الله قربان علي وبعد سنين طويلة التقيت بالشيخ حبيب الله في المسجد النبوي فقال لي : كنت قد سمعت منك ومن الشيخ محمود شرح حديث أنس عن السيد النبهان فهل عندك شريط بصوت الشيخ قلت : موجود قال أحضره لي قلت له : لمَ ؟ قال : من أيام كان عندنا ضيوف من علماء الحديث من الهند فذكرت لهم هذا المعنى الذي ذكره السيد النبهان فطاروا بهذا المعنى فرحاً وقالوا هذه المعلومة يجب أن نرسلها لجامعة كذا في الهند فياليت أن تأتي لي بالشريط فجئته به وبعد أيام التقيت به قلت :أ سمعت الشريط ؟ قال : بلى ، السيد النبهان صحيح يذكر علومات قد نعرف الكثير منها لكنه يذكرها بنفَسٍ آخر ، هذا النفَس لايمكن أن يفهم إلا عن طريق السماع ، نحن عندما ننقل الشريط إلى الورق ونقرؤه يفقد هذا النقل كثيراً من روح الكلام ، وعبر عن هذا هذا الشيخ الهندي قال : صحيح هناك معلومات كثير منها نعرفها ولكن هذه المعلومات التي نعرفها يذكرها الشيخ بنفَسٍ آخر .ومن هذه التحقيقات ما يذكره كتاب السيرة النبويةمن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تسبيح الحصى بيد النبي صلى الله عليه وسلم ويد سيدنا ابي بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان يقول السيد رضي الله عن :ليس المعجزة التسبيح وانما المعجزة سماع الصحابة للتسبيح لن الحجر والشجر وكل شيء يسبح الله يقول تعالى جل في علاه :وما من شيء الا يسبح بحمده  المعجزة السماع سماع الصحابة للتسبيح هو المعجزة .

لذلك لما زاره الشيخ العلامة أبو الحسن الحسني الندوي عالم الهند ورئيس ندوة العلماء فيهارحمه الله عبر الشيخ أبو الحسن عن هذه الزيارة في كتابه ( مذكرات سائح في الشرق الأوسط) قال:في غرة ذي القعدة عام 1370هــ الموافق 4/ 8/ 1951م يوم السبت كان مما يستحق التسجيل هذا اليوم زيارة الشيخ محمد نبهان في بيته ، وهو رجل يمتاز بقوة إيمانه ، وتأمله في القرآن، ويظهر أنه من طراز خاص يفتح عليه في الدين ، ويتكلم فيه عن يقين) هذه هي شهادة الشيخ أبي الحسن الندوي ، وما التقى بالشيخ أبي الحسن الندوي أحد من أتباع السيد وذكر له أنه من أتباع السيد النبهان إلا وحدثه بزيارة سيدنا له في رباط الهنود في المدينة المنورة ، وكنا في المدينة المنورة كنت أنا وأخي الشيخ الدكتور محمود الزين زرنا الشيخ أبا الحسن ولما عرف أننا من أتباع السيد ( نسأل الله أن يحققنا بهذا الاتباع ) ذكر زيارة سيدنا له في ذاك الرباط الذي كنا فيه وكيف أن السيد أبا الحسن قام ليتوضأ فنظر السيد في بركة فوجد ماءها آسن فيه طحلب فقال لإخوانه قوموا نغسل هذه البركة فما توضأ أبو الحسن وخرج إلا والبركة أصبحت بشكل آخر فقال للسيد رضي الله عنه : يامولاي يقولون ان أهل التصوف كسالى لكن أثبت بشخصك خلاف هذا فقال السيد: الصوفي هو الكريم الصوفي هو الشجاع ووو .. وذكر عن الكمالات الإسلامية التي تتمثل بالصوفي الكامل الحقيقي

 

فهو فعلاً من طراز خاص كما أسلفت من قبل ، لم يكن شيخاً كبقية شيوخ الطريق من الصوفية أو المتصوفة ، وإنما كان فرد زمانه تحقيقاً وعلماً ومعرفةً لله تعالى ، وتمسكاً بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

 

كان كثيراً مايقول: أنا في الشريعة كالسمكة في الماء . الشريعة أخذت لبي .

جمع بين الجمال والجلال فكان في أعلى مراتب الكمال وكان كثيرا ما يقول:المؤمن ظاهره النظافة وباطنه اللطافة .

كما  أنه  لم يتوظف في وظائف الدولة طوال حياته ، وعرضت عليه إدارة ( الثانوية الشرعية الخسرفية) فأبى وقال: أنتم تريدون مُدَاراً ولاتريدون مديراً ولذلك أرفض أن أكون مُدَاراً

 

وكان يقول : نعم الأمراء على أبواب العلماء ، وبئس العلماء على أبواب الأمراء فما وقف على باب ذي سلطان لابحاجةٍ ولابغير حاجةٍ، بل السلاطين والأمراء كانوا يتمنون الوقوف على بابه.

 

ولذلك لما حج طلب الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن يكون الشيخ ضيفه وذلك في عام 1965م فاعتذر الشيخ وقال للوفد الذي قدم لدعوته: قولوا للملك فيصل أنا ضيف على ملك الملوك على رب العالمين رب هذا البيت ،ترفعاً منه رضي الله عنه أن يكون ضيفاً على ذي سلطان أو حاكم.

 

ومن صفاته رضي الله عنه أنه من رآه عن بعد هابه ، ومن خالطه معرفةً أحبه ، وهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

يصدق فيه قول القائل:

 

يُغضي حياء ً ويُغضَى من مهابته      فلايُكَلّم إلا حين يبتسم

 

هيبته لاتشبهها هيبة الملوك والسلاطين ، ورحمته لاتقاربها رحمة الآباء والأمهات ، وكان مع المسلمين جميعاً كأب لهم يسعى في قضاء حاجاتهم ، وحل مشاكلهم الخاصة والعامة ،  يُزوّج الفقير منهم ويشاركه فرحته ، وربما اشترى له بيتاً إذا كان لايملكه ، أو دفع عنه المهر ،و يساعد الفقراء والمساكين ويمد لهم يد العون ، يعطف على الأيتام والأرامل ، ويرحم عزيز قوم افتقر فيساعده ويكرمه حتى لايكون بمظهر المعوزين المحتاجين. ولذلك طلب منه ولده عمنا أبو فاروق أن يكون عنده محاسب يكتب الصادر والوارد فقال له : ياولدي أنا لاأريد أن أفضح الناس ، هناك أناس ترونهم بمظهر العز بمظهر الكرامة بمظهر السيادة مالت فيهم الدنياأعطيهم شهرياً رواتب ليبقوا أعزاء في حياتهم فأنا لاأريد أن أفضح الناس فأضع عندي كاتباً يبوح بأسرار هذا الدفتر الذي أسجل فيه هذا الصنف من الناس

 

يزور الإخوان في المدن والقرى ، ومن هذا القبيل زار الكويت كما زار العراق مرتين يتفقد فيها أحبابه وأتباعه ، وأسس في زيارته للعراق أكثر من مدرسة شرعية ، فحيثما حل نفع وقدم كل مابوسعه من مساعدات وعون للمسلمين.

 

يصدق فيه قول القائل:

 

تحيى بهم كل أرض ينزلون بـها     كأنهم في بقاع الأرض أمطـــــار

 

وتشتهي العين منهم منظراً حسناً     كأنهم في عيون الناس أزهـــــار

 

لاأوحش الله ربعاً   من زيارتهم       يامن لهم فــي الحشا والقلب تذكـار

 

في هذا الموقف نذكر قرية التويم

 

قرية التويم كانت في حياة السيد جنة في الأرض فيها أنواع الثمار والفواكه حتى الورود تنقل بالشاحنة إلى حلب ، حفرة الماء ( الغرز ) فيها ثلاث مضخات تضخ الماء بوقت واحد وتشكل ساقية كأنها نهر تسقي الأراضي ، في ذاك الوقت سمعنا من السيد رضي الله عنه قال : سيأتي وقت سيأتي زمان يمر عابر السبيل على هذه القرية ويطلب الماء فيقولون ماعندنا ماء نسقيك ، جاء اليوم ومررنا بهذه القرية  فمارأينا فيها نبتة من الأشجار المثمرة ولاطول شبر ، أرض قاحلة ، ونزلنا في قرية قريبة من التويم اسمها الوسيطة ، صاحب البيت الذي كنا نجلس عنده اسمه ( أحمد العطا) قال :الآن أهل تويم يذهبون إلى قرية تل الكلبة فيأتون بالماء لأن قريتهم لايوجد فيها ماء ،

أعود لأقول ما قاله الشاعر :

تحيى بهم كل أرض ينزلون بـها      كأنهم في بقاع الأرض أمطـــــار

 

وهذا طبعاً من قبيل الإخبار بالغيب في المستقبل وينكر علينا إخواننا السلفية سامحهم الله أن يخبر شيخ من اهل التصوف اهل الصدق مع الله بخبر سيقع في المستقبل من الأمور التي يطلع الله خاصة عباده عليهاويقولون هذا لايجوز ! قلنا من العجيب أننا نجد صاحب مدارج السالكين ( ابن القيم ) يذكر عن شيخه ( ابن تيمية)رحمه الله من هذا القبيل الشيء الكثير

يقول : لقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية مالم أشاهده ، ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما ، أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة وأن جيوش المسلمين تكسر وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام: وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة  ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام : أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يميناً فيقال له : قل إن شاء الله فيقول : إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً .

 وسمعته يقول ذلك قال : فلما أكثروا علي قلت : لا تكثروا كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ : أنهم مهزومون في هذه الكرة ، وأن النصر لجيوش الإسلام قال : وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر ، وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل ولم يعين أوقاتها وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته ا. هــ من مدارج السالكين

قلوب العارفين لها عيون * ترى مايراه الناظرونا

وأجنحة تطير بغير ريش * إلى ملكوت رب العالمينا

 

فأولياء الله يرون مالايراه البشر يطلعهم الله تعالىعلى كثير من الأمور والأشياءبسبب تحققهم بالعبودية لله  ورسول الله صلى الله علي وسلم يقول في الحديث الصحيح: وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه  فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به  ...الخ

حتى ابن تيمية رحمه الله ذكر من الكرامات في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان الشيء الكثير منها ما هو احياء للموتى وذلك مع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعا .

ولم يكن رضي الله عنه ميالاًللكرامات  وكان يقول : الولي يستحي من الكرامة كما تستحي العذراء من دم حيضها

 

ولايعني هذا أنه لم تظهر على يديه كرامات ، ولكنه لم يكن يتطلع لمثل هذا ، وقد نقل محبوه عنه كثيراً من الكرامات ، بل لايكاد أحد اجتمع به إلا ورأى له كرامة أو كرامات غير أنه لم يكن يعَوّل على الكرامة وكان يقول: الاستقامة هي عين الكرامة.

ومن الكرامات حديث التويم الذي ذكرناه قبل قليل

ونقل له أن قبر أحد الأولياء ( عز الدين أبو حمرة)  أرادوا إزاحته لكونه في الطريق فانكسر البلدوزر عند إرادة إزاحة القبر فقال رضي الله عنه معلقاً على هذا : لو كان صاحب هذا القبر من كُمّل أهل الله لما انكسر البلدوزر ولأزيل القبر لأن العبد الكامل يبقى مع عبوديته لله . فالعبودية هي أعلى المراتب وقال : لو أنا ماأعمل هكذا

ومن الكرامات التي شهدناها : كنا نجتمع به رضي الله عنه يوم الاثنين بعد العصر فوقع في نفسي سؤال وكنت في الصف السادس وتردد السؤال في نفسي وخجلت أن أسأل فقال : محمود العمر ( اسمي السابق ) قم اسأل فقمت فسألت السيد فأجابني ثم قال : ياولدي إذا كنت تخجل وتستحي أن تسأل فتعال لعندي للغرفة واسألني بيني وبينك وبعد أيام رحت إليه إلى الغرفة فأشار إلي فدخلت فقال اسأل ابني اسأل فسكت لهيبته فأجابني على سؤالي دون أسأل ثم قبلت يده وانصرفت

 

كان رضي الله عنه يحض طلاب العلم على الجد والاجتهاد والاهتمام بالعلم وكان يقول رضي الله عنه لطلاب العلم: استيقظوا قبل الفجر وصلوا ركعتين أو أربع ركعات فقط ثم اجلسوا لطلب العلم ، فطلب العلم أفضل من صلاة النفل المطلق، وهو أقرب طريق يوصلكم إلى الله تعالى .وكان لايسهر بعد العشاء إلا في إكرام ضيف ومؤانسته ، ويستيقظ قبيل الفجر للتهجد ، ولاينام حتى يصلي الضحى.

 

هذا ما ذكرته من مناقب السيد وسيرته غيض من فيض ونقطة من بحره الزاخر

 

أسأل الله تعالى أن يرزقنا حبه وحب أحبابه والعمل بنصحهم وتوجيهاتهم، وأن يجمعنابهم على حوض رسول الله سيد الخلق وحبيب الحق صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر . صلى الله عليه وسلم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً

 

ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا .

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .