آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
كلمة : واصف باقي ، السيد النبهان رائد التصوف في القرن العشرين



مرات القراءة:2507    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

 

 

 

السيد النبهان رائد التصوف في القرن العشرين

بقلم الأستاذ واصف باقي

 

(حلب الشهباء ) حفي بها أن تشير بأصبع من نور إلى رائد التصوف في القرن الماضي ورجل من أعلامها قلّ مثاله في العصر الحديث .
كان مدرسة في حياته ولاتزال إرشاداته تعد نموذجاً متميزاً للكمال الإنساني نهل من منابع القرآن واحتذى بالسيرة فتأسى بها نهجاً وتخلق بها سلوكاً.
ظللته العناية الإلهية فكان مثالاً فريداً للتقوى والعبادة ولمَ لا ! وهو الشخصية الفذة المعروفة بمواقفها، والملتزمة بهاجس المهام المثلى لرقي البشرية مما شاع نوره منذ منتصف القرن الماضي في حلب الحضارة والعراقة والتاريخ في عصرها الذهبي.
منذ ريعان الشباب أدرك غائيّة خلقه وهدف وجوده ،فتوجه بالصدق نحو السماء ونشد رب العزة في العلياء بكل عزم وهمة واقتدار، وزهد في الدنيا رغم غناه، وانصرف إلى رحاب العلم في الأزهر الشريف ، مهتماً بتزكية نفسه وطهارة قلبه ، متوجهاً نحو المعرفة الإلهية جامعاً بين تطبيق الشريعة ونشدان الحقيقة عبر المسار الصوفي بالمجاهدة وحب الله ورسوله وصحابته فضلاً عن اتباع كبار الأولياء والإقتداء بنخبة أهل الصلاح وما يرافق تلك الرحلة النورانية من أحوال ومشاهدات وأسرار وصفاء روحي ،متجاوزاً كل المحن والإبتلاءات التي اعترضت تلك المسيرة المثلى فربى أجيالاً إيمانية من كافة الشرائح الإجتماعية ومن جميع الطبقات المستنيرة بالعلم والفهم سواء من الرجال أومن النساء وحتى من الشباب الصاعد،
هناك كانت حياته الحافلة وبها مثواه في ذروة سامقةٍ تطل على القلعة اسمها( الكلتاوية) حيث حطت راحلة الحضرة النبهانية متمثلة بالعارف الكبير القطب الكبير في التصوف الإسلامي( الشيخ محمد أحمد النبهان) وشعاره مكتوب بلوحة معلقة على جدار غرفته منذ نصف قرن هي ( أدب يا هـــــــو)
كان هدفه الأدب مع رب العزة حيث يتوخى العرفان والتربية المثلى والخلق العظيم والأدب السامي والرقي الروحي

كم من المفرح حقاً أن نوثق حياة الأعلام الصوفيين من العلماء العاملين الذين أسدوا للمجتمع النصح والتوجيه والإرشاد من خلال سلوكهم وشخصيتهم وأعمالهم التي رسمت ملامحهم وعطاءاتهم في سجل الخالدين.
مما يجدر بنا أن نجعل منهم القدوة الصالحة والمثل الأعلى وأن نأخذ من فذ مثل السيد النبهان درساً حياً بسيرته الحافلة للأجيال بعد أن منح من وقته وشبابه وكهولته الكثير وضحى بكل الوقت ولو على حساب صحته واستثمر الزمن من أجل الإنسان وهو رضي الله عنه يعطي ويعلم ويوجه ويرشد بجهده وينفح الطيب من نفحات قلبه ، ليكون فعلاً المثال الذي يحتذى والرجل بهذا جدير فهو يملك شخصية المربي الجليل، ويعد من الشخصيات الإسلامية المتميزة التي استطاعت أن تجسد روح الدين الحنيف سلوكاً وقولاً وفعلاً ، فضلاً عن التوجيهات السامية التي مازلنا نستقي من ينبوعها حتى الآن.....
وفي عصرنا هذا يعتبر قدوة للجميع، رحمه الله وطيب ثراه تراثاً تربوياً أصيلاً يلتقي مع الفكر الصوفي في معظم منطلقاته  وأسسه التربوية والروحية ويختلف عنه في ابتعاده عن الطقوس الطرقية المألوفة مما جعل هذا المنهج أكثر إرتباطاً بالنصوص الشرعية وأكثر حرصاً على الإلتزام بمضامينها في مجال العقيدة والسلوك وإن الهدف الذي يسعى لتحقيقه هو حسن الخلق واتباع سيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه لما فيها من منازع الكمال الإنساني وما يواكب ذلك من صفاء وطهارة ونقاء ومما يدل على انفتاح الشيخ النبهان على القيم النبيلة والتي تمثل النسق العام الذي يشير إلى الخط البياني الذي يرقى بالبشرية في كل اهتماماتها وتوجيهاتها وأفكارها وسلوكياتها وقيمها .
وهكذا فالتراث الفكري ينمو بالجهد المتواصل لإغنائه بتأسيس رموز  للفكر والثقافة والإصلاح التربوي لكي يسموا في النهوض الأخلاقي  لتكوين نماذج للسلوك الإجتماعي تحظى باحترام كل فئات المجتمع .
برز للمجتمع الحلبي مظهر محمدي وشخصية فذة وطلعة مهيبة اتسمت بجمال الأنوار وكمال الأسرار وكل من يراه تطمئن مهجته وتنهض همته ويرتقي في سلم المعرف هيبة وجلالاً ويتأسى بصبره منذ بدايات المواجهة على الإبتلاءات ممن حوله لاسيما حين أذن له بتوجيه النساء وهو يدرك أن المرأة نصف المجتمع وسيدة الموقف التربوي فيه ،
وممايؤثر عنه نداء الحق يوم القيامة للرسل والعارفين بالله(( من رددتم إلي من حببتم فيّ من عبادي؟ وكان يقول معلقاً
((أنا خادم وغايتي أن أعرف على الله من ألتقي من مخلوقاته تعالى )) خصوصاً بعد أن قطع أشواطاً في الوصول إلى الحقيقة والمشاهدة فنادى بضرورة العلم يتبعه العمل المشفوع بالإخلاص وما أفاء علينا المولى من نعم في المقابل ماعلينا إلا أن ننسب النعمة إلى المنعم جل جلاله ولم يضن أبداً بالوصايا والنصح والإرشاد
ومما كان يردد علينا قوله
(( كن مع الله بالصدق ، ومع الناس بالإنصاف ومع النفس بالمحاسبة ومع العلماء بالتواضع ومع الأولياء بالأدب ومع الشيخ المربي بالخدمة ومع الفقراء بالإيثار ومع الجهالة بالحلم ومع الأهل بالنصيحة  ومع الأصدقاء بالوفاء ))
هذا عن جلساته الخاصة لتربية السالكين من أجل الحق يقيناً في السير إلى الله فيجعل للمريد درباً من نور نحو أشعة الهداية المحمدية، وكم كان يكرر: (( طريقتنا محمدية تقتضي منا الإتباع وامتثال الأوامر والنواهي فلم نؤمر إلا بما ينفعنا ولم نُنْهَ إلا عما يضرنا))
هذا الرجل الذي تذعن له الأكابر وتلتهب عنده أكباد المحبين ، لم يمتلك وقتاً للفراغ، بل انصرف جل حياته لله قولاً وفعلاً وحالاً وخلقاً ، يمنح المذاكرة للمقربين ، والدروس المستمرة من أجل الآخرين وخدمتهم.. كان شغله الشاغل على مدار الساعة أن ينبه المجتمع من حوله على الفضائل الإنسانية ويدعوهم إلى المعرفة و أن تبقى كلمة الله هي العليا ، وفي كل ذلك ما رأيناه نسب شيئاً إلى نفسه في إرشاده بل كان يهمس دائماً :  ((ذلك فضل الله )) وحين سئل يوماً عن العلوم العصرية قال: كل هذا موجود في القرآن لكن تجاهل عنه أفهام الرجال . وساق مثلاً عن الكيمياء فقال: هي عندنا نحول الشقي إلى سعيد والعدو إلى صديق والبعيد إلى قريب))..
فكانت تلك التوجيهات من أب روحي حيث تقف الحروف حائرة قاصرة عن وصف جلاله وجماله وسلوكه وتصرفاته وحكمه وعطاءاته . وتتجمد الكلمات في الحلوق وعلى أسنة الأقلام  خشية وحياء القصور في التعبير والمحدودية في التصوير لمواقف تسمو عن الوصف حين كنا نراه دوماً يستهوي الأفئدة ويجذبها حناناً إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. يصب المعاني دهاقاً في كؤوس الإيمان لتسكبها في عالم الحضور فتحس أنك تعبد الله كأنك تراه فإلم تكن تراه فإنه يراك..
السيد النبهان يدعو أصحاب المهن إلى الإخلاص في العمل والعبادة والقناعة في الرزق ون تكون الدنيا كلها بإقبالها في أكفنا وليست في قلوبنا
وكان يجيب السائل على مقداره لاحسب السؤال حين يدرك ألاتناسب بين السائل والسؤال وكان ينزل منازلهم على قدر عقولهم ويعطي من وقته للأطفال .
وكان دوماً يأمر أحبابه بأخذ الأسباب كاملة ولا نتوقف عند السبب بل نقف عند الإرادة الإلهية فالله تعالى هو الخلاق والرزاق والشافي وكل اسم من أسمائه الحسنى معها اسم الحكيم وهو جل جلاله يعطي بحكمة ويمنع بحكمة وما علينا معشر العباد إلا بالتسليم والرضى والصبر في كل مجريات الأقدار مع التوكل لا الإتكال حيث الإخفاق بالنهاية من المحال فالظفر حليف  المجتهدين الذي توجهوا إلى المعالي .
ومن خوالد كلماته: إن الرسول صلوات الله عليه جل مراده  قتل كفر الكافر وليس قتل الكافر فإذا أزيح كابوس الشرك واندثر صار مسلماً مؤمناً موحداً .
وحين أورد بعضهم ما جاء في السيرة العطرة بأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان يجمع الكمالات قال السيد النبهان: إن رسولنا العظيم عنه نبعت الكمالات والفضائل الإنسانية برمتها .
وكم كان يوصي بالتهجد في الأسحار ومناجاة رب العزة ولطالما كرر وصاياه : احفظ سمعك وبصرك ولسانك فذلك طريق الفتح والوصول إلى المعرفة الإلهية .
ومن المواقف الفريدة في مسيرة حياة الشيخ النبهاني أنه مااستدان من أحد قط لنفسه بل يقول أنا أستدين من نفسي بينما كان يقترض أحياناً ليقضي حوائج الناس إذ لم يطرق أحد بابه ولم تقض حوائجه وهذا ماشهدناه بأم عيوننا حين التزمنا رحابه الطاهرة
ومن إرشاداته دعوته لمن حوله من الزوار من كل مكان إلى زيارة المشافي والسجون والمقابر للإعتبار والتحدث بنعم الله تعالى علينا . وكان حريصاً على بناء المساجد .
ومن مواقفه التي يشار إليها ويشاد بها تحيله ملهى المونتانة الذي أشيد على أحدث طراز آنذاك فأقدم رضي الله عنه على أمر لايثير فتنة ولايعمق جرحاً فأوعز إلى المقربين إليه بشراء المبنى الذي تحول بقدرة قادر إلى جامع الفرقان وسميت المنطقة بهذا الإسم حتى الآن.
ومن معالم شهوده قدس سره وجلاء بصيرته استشراف المأمول لتأسيس دار نهضة العلوم الشرعية للذكور والإناث وذلك من أجل طلب العلم لقدسية العلم وشرف سموه وعلو رسالته وتحقق الحلم ومازال يخرج العلماء في مستقبل الدعوة والإرشاد وترسيخ القواعد الإنسانية في مجتمعنا .
كما أسس السيد النبهان فضلاً عن ذلك مدرسة مهنية شرعية تتعلم فيها البنات إضافة لأمور لدين الحنيف ما تحتاجه المرأة في حياتها العملية من إدارة شؤون بيتها ورعاية أسرتها من الخياطة وتدبير شؤون المنزل وتربية الأجيال الصاعدة.
لأن من فلسفة رؤيته بالأحرى كونه يرى أن الإسلام عقيدة ومنهجاً يكفل للمرأة سعادة وكرامة أبدية تماماً كما كان الرجل يحظى بذلك فالنساء شقائق الرجال ولذا لهن كمالهم من حقوق وواجبات إنسانية .
ومن أجل دعم الفقراء أسس جمعية النهضة الإسلامية ومن هنا أسهم في دعم الأسر المحتاجة والأرامل يدعم ويرشد وينصح ويصرف من ماله الخاص فهو من أسرة غنية مشهورة بالعطاء والكرم بلاحدود .
هذه سطور مشرقة في سفر الحقيقة أعطت بعضاً من الضوء على حياة الشيخ المرشد الكامل حيث كان ينادي للعودة إلى رحاب الله وإلى التمسك بسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم فأمثال هذا الشيخ قلة في عصرنا وندرة في زماننا فهم وإن كانت أجسامهم مفقودة لكن أمثالهم في القلوب مفقودة وكيف يغيب هذا الرباني المشرق قدس الله روحه وقد سما بأخلاقه سمو الشمس الساطعة وعلا بأفهامه ومعارفه علو القمر المنير .
حمداً لله أولاً وأخيراً فهو سبحانه الرافع لشأن أوليائه المبشر لهم بأنهم لاخوف عليهم ولاهم يحزنون الكفيل لهم برعايته المتولي لهم بعنايته وقد اختصهم برحمته وقربهم إليه زلفى لأنهم في كنفه يتقلبون وبمعرفته ينعمون وإنا على نهجهم سائرون لنحافظ على قدسية رسالتهم الإنسانية التي تشهد بمالهم من عطاء متدفق مستمر في صقل النفس البشرية وسيرها على دروب الحقيقة في كل عصر وأوان بل في كل زمان ومكان على خارطة الحياة الإنسانية