آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العربية وعلومها   مقالات وأبحاث
الابتهار والابتيار



مرات القراءة:4828    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الابتهار والابتيار

بقلم الدكتور محمود فجال


سأورد ما حكاه أئمة اللغة عن هاتين المادتين اللغويتين ، وسأتكلم ـ إن شاء الله ـ عمّا يدور في فلكهما مما يصادفنا في حياتنا اليومية ، وما يكون من حال بعض شبابنا من الابتهار والابتيار .


فاقرأ ـ ونحن أمة نقرأ ـ ولا تَمَلّ ، فقطفُ الثمرةِ عند نضجها يحلو ، والحصاد بعد أن يستوي على سوقه يعذب

يا أختاه ! قالت العرب بَهَرَه يَبْهَرُه بَهْراً : قَهَرَهُ وعَلاَهُ وغَلَبَهُ
وبَهَرَتْ فُلاَنَةٌ النساءَ : غَلَبَتْهُنَّ حسناً
وبَهَرَ القمرُ النُّجُومَ بُهُوراً : غَمَرَها بضوئه
وأبْهَرَ : إذا تَلَوَّن في أخلاقه دَمَاثةً مرةً ، وخُبثاً مرةً أخرى
الابتهار : قول الكذب والحلف عليه
الابتهار : ادّعاء الشيء كذباً ، قال الشاعر
* و ما بي إنْ مَدَحْتُهُمُ ابتِهارُ *
وابْتَهَرَ فلانٌ بفلانة : شُهِرَ بها
وبَهَرَها بِبُهْتانٍ : قَذَفَها به
والابتهار : أن ترمي المرأةَ بنفسك وأنت كاذب
وقيل : الابتِهار : أن تَرْمي الرجل بما فيه
والابْتِيَارُ : أن ترميَه بما ليس فيه
وفي حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه رُفِعَ إليه غلامٌ ابْتَهَرَ جاريةً في شعره فلم يُوجَدِ الثَّبَتُ فَدَرَأَ عنه الحدَّ
قال أبو عبيدة ( الابتهار ) أن يقذفَها بنفسه فيقول : فعلتُ بها كاذباً ، فإن كان صادقاً قد فَعَلَ فهو ( الابتيار ) على قلب الهاء ياءً ، قال الكميت
قبيحٌ بِمِثْليَ نَعْتُ الفَتَا ةِ ، إما ابْتِهاراً وإمّا ابتياراً
يعني : إما بهتاناً ، وإما اختياراً بالصدق لاستخراج ما عندها
ومنه حديث العوّام : الابتهار بالذنبِ أعظم من ركوبه ، و هو أن يقـول : فعلتُ ، و لم يفعلْ ، لأنه لم يَدَّعِهِ لنفسه إلاّ وهو لو قَدَرَ فَعَلَ ، فهو كفاعله بالنية ، وزاد عليه بقبحه ، وهتك سِتره وتبجحه بذنب لم يَفْعَلْهُ ([1]) .
يا أختاه ! إن الأسى يعتصر كبدي ، والألم يحزُّ في صدري ، والحسرة تكوي قلبي لما نراه ونسمعه في كل صباحٍ ومساءٍ من حال بعض فتيات المسلمين في هذه الأيام .
الفتيات الحاسرات السافـرات المائلات المميلات ! ماذا يُرِدْنَ ؟ و إلى أيِّ شيء يَتَطَلَّعْنَ ؟ وما الأمانيُّ التي خامرت قلوبهن ؟
نعم إنَّها اللَّذات الجسدية . وهل اللذة لا تحصل إلا بالانحراف والانجراف والإلهافِ ( الشَّرَه ) والشَّغَافِ ؟!
إنَّ الرذيلة تنتشر ، والسفور تقوى شرته ، وتتسع دائرته ، ويمتد من مكان إلى مكان ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ
خَرَجَ الفتيات المسلمات يظهر منهنَّ مقدمُ شعورهنَّ ، و كِحْلُ عيونهنَّ ، يكشفنَ عن سواعدهنَّ ، و يبدين نحورهنَّ
مهلاً ـ يا أختاه ـ ماذا تُرِيدين ؟ وإلى أيِّ شيءٍ تتطلعين ؟ أتريدين الشابَّ؟ أتريدين الرجل ؟ أو أيَّ شيءٍ؟
لا ريب أن الرجـل في هذه الحال هو الذي يُقْبِلُ إليك ، ويشنف أذنيه بسماع صوتك ، وسماع ضرب رجليك ؛ ويمتّع عينيه ببريق تمايلك
إن الشاب هو الذي يخطو الخطوة الأولى إليك لتكوني في شراكه ، ولولا رضاك ما أَقْدَمَ ، ولولا بَرْقُكِ الخُلَّبُ ما أقبل ، ولولا لينك ما اشتدَّ و ما تجرّأ . أنت التي فَتَّحْتِ له الأبواب وهو الذي دخل .
إنه لصٌّ ، إنه سارقٌ ، إنه صائد يريد أن يحتال عليكِ ، أن يسرقكِ ، أن تكوني في شـراكه ، لِمَ ذلك ليختلس منك أعزَّ شيءٍ عليكِ ، عفافكِ الذي به تَشْرُفين ، وبه تفخرين ، وبه تعيشين .
ما رأى شاب فاتكٌ المرأةَ إلاَّ عرَّاها من ثيابها بخياله الملوث ثم تصورها بلا ثياب .
إنَّ حياةَ البنت التي فجعها الرجل بعفافها ودنَّس كرامتها أشدُّ عليها من المـوت الزؤام ، والسم الزُّعاف .
يا أختاه ! لا تصدقي الرجلَ عندما يخلو بك خِلْسَةً ، أو يكِّلمُكِ من وراءُ وراءُ عن طريق الهاتف أنه يريدكِ لخُلُقِكِ وأدبكِ .
لا تخدَعْكِ النظرةُ الحانيةُ ، والابتسامةُ الحلوةُ ، والسلامُ اللطيفُ ، والكلام الرقيقُ ، وأنه يودك ودّ الصديق ، فكل ذلك كَبَرْقٍ خُلَّبٍ ، قال شوقي :
خدعوها بقولهم : حسناء والغواني يَغُرُّهُنَّ الثنـاءُ
نَظْرَةٌ ، فابتسامة ، فسلامٌ فكلامٌ ، فموعدٌ ، فلقاءُ ([2])
يا أختاه ! لو سمعت كلام الشباب فيكِ في خلواتهم لسمعت حديثاً مخيفاً مكرباً مرعباً . فهو لا يلينُ لك بكلمة ، ولا يقدم لك خدمة إلاّ وهي عنده تمهيد وبساطٌ لما يريد .
هو ينساكِ حينما يأخذ منك عفافكِ ، ثمَّ يفكر في صيدٍ آخر يسرق منها عرضها ، وتظلين أنت أبداً تتجرعين غصص ما سلبكِ .
يقول المجتمع : شابٌ ضلَّ ثمَّ تاب ، وتخلدين أنت في حمأة الخزي والعار والذل والشنار طول الحياة ، لا يعذركِ المجتمع أبداً .
يا أختاه ! تجلبـبي بلباس الحشمة والوقار ، وارتدي رداءَ المسلمات الصالحات واستري محاسنَك ومفاتنَكِ .
ولو رأيتِ الشاب أعرضي عنه بصدركِ ، وازْوِي عنه ببصرِكِ . وأريه من نفسك الكبرَ والإعجاب ، وإن كلمك فلا تخضعي له بالقول ، ولا ترققي له الكلام ، فإن لم يرتدِع فَعَرِّضيه للعنة الناس ، فستجدين عوناً لك عليه من كلِّ الشرفاء .
يا أختاه ! لا تجدُ الفتاةُ أملَها وسعادتَها إلاّ في الزواج الإسلامي ، لتكون زوجاً صالحةً ، وأمّاً موقرةً ، وربَّةَ منزلٍ .
و أما الفاسقة المستهترة فلا يتزوجها أحدٌ ، حتى الشابُ الذي يغوي البنتَ الشريفة بوعد الزواج ، إن هي غَوَتْ تركها وذهب ، لأنه لا يرضى أن تكون له زوجاً ؛ لأنها سقطتْ .
يا أختاه ! إذا غويتِ غوتِ الشباب ، وسقطوا في مهاوي الردى ، قـال نبينا صلى الله عليه وسلم : » ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضرَّ على الرِّجالِ من النساء « [ متفقٌ عليه ] .
و إذا صلحتِ صلح الشباب ، وصلحت الأمةُ كلَّها ، وعزف الشبابُ عن الابتهار والابتيار ، وبحثوا عن الفتاة المسلمة بغية الزواج الإسلامي الذي هو من سنن المرسلين .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .


([1]) انظر » لسان العرب « ( بهر 4 : 82 ـ 85 ) . و » تاج العروس « ( بير 3 :60 ) .
([2]) الشوقيات ( 1/112 ) .