آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    ردود وشبهات   قضايا معاصــرة
آفة التدخين والتبغ وخطره



مرات القراءة:10563    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

آفة التدخين والتبغ وخطره


الحمد لله الذي أحل لنا الطيبات، والصلاة والسلام على أطهر البريات، وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.وبعد:


التعريف :


جاء في الموسوعة الفقهية : التبغ ( بتاء مفتوحة ) لفظ أجنبي دخل العربية دون تغيير , وقد أقره مجمع اللغة العربية . وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية يستعمل تدخينا وسعوطا ومضغا , ومنه نوع يزرع للزينة , وهو من أصل أمريكي , ولم يعرفه العرب القدماء . ومن أسمائه : الدخان , والتتن , والتنباك . لكن الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع خاص من التبغ كثيف يدخن بالنارجيلة لا باللفائف.

2 - ومما يشبه التبغ في التدخين والإحراق: الطباق, وهو نبات عشبي معمر من فصيلة المركبات الأنبوبية الزهر , وهو معروف عند العرب , خلافا للتبغ , والطباق : لفظ معرب . وفي المعجم الوسيط : الطباق : الدخان , يدخن ورقه مفروما أو ملفوفا .

3 - وقال الفقهاء عن الدخان : إنه حدث في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر , وأول من جلبه لأرض الروم ( أي الأتراك العثمانيين ) الإنكليز , ولأرض المغرب يهودي زعم أنه حكيم , ثم جلب إلى مصر , والحجاز , والهند , وغالب بلاد الإسلام. (تبغ ف 1-3)


الحكم الإجمالي للتدخين:


تواطأت الشرائع السماوية على حفظ كلّيات أو ضروريات خمس هي: الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وزجرت وسنت حدوداً لمن يتعدى على واحد منها.
قال الإمام حجة الإسلام الغزالي (ت 505) فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة (المستصفى 1/27).


التدخين تعدٍّ على ثلاث كلّيات من الكليات الخمسة السابقة وذلك على النحو التالي:

 

1 التعدي على النفس:

 

فقد تظاهرت التقارير في الدراسات المستفيضة من آثار تناول الدخان وعن المادة الفعَّالة فيه وهي: (النيكوتين) وقد جاء في دراسة علمية أن لفافة واحدة قد تؤثر في عدة أجهزة في البدن، فكيف الحال بمن يدخن في اليوم الواحد عشرين أو أربعين سيجارة.


هذا الإضرار التدريجي غالباً أو القليل في بعض الأحيان كاف في حَظْره، ومن الأقوال النفيسة في هذا: قول العز بن عبدالسلام الملقب بسلطان العلماء (ت 660): إن الله تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب لإقامة مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسدها.. ولم يفرق الشرع بين دِقِّها وجلِّها، وقليلها وكثيرها، كحبة خردل، وشق تمرة، وزنة برة، ومثقال ذرة، " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ " (الزلزلة:7-8).( القواعد الصغرى بتحقيق إياد الطباع ص 32)


ولست في حاجة لذكر أقوال الأطباء التي تؤكد أضرار الدخان على النفس أو نبذة عنها، فهي مستفيضة كما ذكرتُ، وهم أولو الأمر في هذا، كما أن أولي الأمر في معرفة الأحكام الفقهية هم الفقهاء، وأولو الأمر في إلزام الناس بالأحكام القانونية هم الحكام، والله تعالى يقول: " أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ " (النساء: من الآية59) فيجب العمل برأيهم (انظر فتوى الشيخ الدكتور زكريا البري ص 42 – 44 من كتاب الحكم الشرعي في التدخين الصادر عن المكتب الإقليمي لشرق المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية)..


ومما قاله الشيخ العلامة هاشم المجذوب الدمشقي – حفظه الله – : هذا – أي معرفة حكم التدخين المرتبط بمعرفة ضرره - ليس من شغل الفقهاء، وإنما هو من شغل الأطباء، وقد أثبت الأطباء الضرر، فينبغي أن يحرم.
والمدخن لا يضرُّ نفسه وحسب، بل جليسه أيضاً؛ وإذا نصَّ الفقهاء كراهة على مزاحمة الناس في الطواف، أو على تقبيل الحجر فما يقولون عن هؤلاء الذين ينفثون سمومهم في كل مكان ويتسببون في أضرار مؤكدة على جلسائهم من غير المدخنين ؟!


2) التعدي على العقل:


وأقصد بالإضرار بالعقل ما يكون من تأثير (النيكوتين) في الدماغ والجملة العصبية، وهذا ثابت بأبحاث طبية معتبرة، وإن من أظهر الآثار الضارة في هذا الجانب ما يترتب على شرب التدخين من خاصية الإدمان، وهو الذي ينوء بويلاته كثيرون لا يحصون، ولا يكادون يتخلصون منه إلا بشق الأنفس، والشفاء منه يحتاج إلى عزيمة ومجاهدة مضاعفة، وقد أثبت عدد من الأطباء أن الإقلاع عن شرب الخمور أسهل من الإقلاع عن شرب التدخين لما في (النيكوتين) من توريث الإدمان.
هذا وجُلُّ من حرَّم التدخين ذكر التفتير الحاصل بسببه مُسوِغاً واضحاً للحظر، فالمدمن يتغير اتزانه وتحكمه في الأمور، ولا يردُّه في سورة غيظه إلا تناول شيء منه فيهدأ ويتزن.
وقد ورد حديث أم سلمة – رضي الله عنها – في مسند أحمد وسنن أبي داود أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " نهى عن كل مسكر ومفتر" وصححه السيوطي.
والنسبة العالمية في البدء بالدخان للمدمنين على المخدرات من 90 – 95%. وهذا كاف أيضاً للحظر أخذاً بقاعدة ومبدأ سد الذرائع، فإذا منع الناس من مباح في بعض الأحيان إذا كان طريقاً إلى حرام فلأن نمنع من التدخين لدرء المخدرات من باب أولى.


3) التعدي على المال:


لقد جعل الله تعالى المال قياماً للناس وقواماً لأمر معاشهم، ولذا نهوا عن تركه في أيدي السفهاء قال تعالى: " وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً " (النساء: من الآية5)، قال ابن حجر في الفتح: وإضاعة المال الذي نهى عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .. الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أُنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً، سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه . وإتلاف المال في التدخين من وجوه أربعة: شراؤه، ومعالجة المرضى منه، وترك العمل من أجله، والحرائق الناتجة عنه (10/408 – طبعة دار المعرفة بيروت ).
أقول : إن الإضرار بكلّية واحدة لا يتهاون فيه، فكيف إذا أضر التدخين بكليات ثلاث؟!


القدامى من الفقهاء الذين لم يحرموا التدخين معذورون :


المعلوم أن الفقيه يفتي في القضية بما يحصل لديه من العلم أو غلبة الظن وهو الغالب، ولمَّا لم تكن أضرار الدخان ظاهرة ومحققة بتقارير علمية، كما حصل في السنوات الأخيرة – لم نجدهم يجرؤون على القول بالتحريم، ومن حرم حرَّم لاعتبارات ظاهرة، فأقول : أما وقد ظهرت الدراسات المستفيضة في الشرق والغرب على أضراره فَفِيم التردد بالحظر.


قال شيخنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – حفظه الله تعالى-: فلا حجة في أن الفقهاء من قبل لم يكونوا يفتون بحرمة الدخان، بل ربما صرحوا بإباحة استعماله؛ إذ لم تكن دلائل حرمته ظاهرة لهم؛ فكان عذرهم في ذلك خفاء مناط التحريم. فلما تبين الأمر للعامة والخاصة من الناس اليوم، ارتفع ذلك العذر واستقر حكم التحريم (ص 104 – 105 من كتاب معالجة التدخين بين الأطباء والمشرعين لضياء الدين الجماس ).


قواعد فقهية توظف في موضوعنا :


ـ كل تصرف جر فساداً، أو دفع صلاحاً فهو منهي عنه.
ـ درء المفاسد أولى من جلب المنافع أو المصالح. أقول فكيف إذا خلا التدخين من المصالح.
ـ العبرة للغالب الشائع لا للنادر وربما عبروا عنها بـ: العبرة بالغالب والنادر لا حكم له، أو النادر يلحق بالعدم، وقالوا: الغالب مساوٍ للتحقيق.
فإذا لم يظهر الضرر في بعض الناس ألحق بالعدم، وما سُمع عن مدخن يقول: أنا لا أتضرر منه. ثم لا فرق بين حرمة المضر بين كون ضرره دفعياً أو تدريجياً، فإن التدريجي هو الأكثر وقوعاً (2/78 – 84 من الفواكه العديدة في المسائل المفيدة للعلامة أحمد التميمي).


تحريم ولاة الأمر للتدخين في بعض العصور مستند للتحريم عند بعضهم :


قال الإمام البيجوري في التعليق على الجوهرة للقاني : فلو نادى ولي الأمر بعدم شرب الدخان المعروف الآن وجبت عليهم طاعته؛ لأن في إبطاله مصلحة عامة، إذ في تعاطيه خسّة لذوي الهيآت ووجوه الناس، خصوصاً إذا كان في القهاوي، وقد وقع أنه أمر (السلطان مراد الرابع العثماني – رحمه الله – المتوفى عام 1049) بترك الدخان في الأسواق والقهاوي فيحرم الآن ( ص 201 من تحفة المريد الطبعة الأولى لدار الكتب العلمية).


(النارجيلة) لسيت أخف ضرراً من اللفائف :


بدأت قبل مدة (سرطانات الشفاه) تظهر إثر إدمان تعاطي النارجيلة (الأركيلة)، ويضاف في (النارجيلة) إلى أذى الدخان ضرر غاز الفحم الموضوع على رأس النارجيلة، كما يضاف تشّرب (نربيشها) بأنقاض السموم مما يضاعف من أذاها، ومن باب الشيء بالشيء يذكر لا ننسى هنا أن المسجد الأموي في دمشق احترق عام 1311هـ في ضحوة السبت الرابع من ربيع الآخر، فتحولت ثمرة 1300 سنة عمل في المسجد إلى ركام من الأنقاض، وسبب الحريق شوق عامل إلى نفس دخان نارجيلة! (الجامع الأموي في دمشق ص 65ـ 71 علي الطنطاوي).


أقدم تحريم رأيته :


من أقدم من وجدته حرم التدخين الإمام اللقاني في كتابه (نصيحة الإخوان باجتناب الدخان) والمصادر لم تشر إلى مكان وسنة ولادته غير أنه توفي 1041هـ الموافق (1631م) وكان الإمام هذا مرجعاً للدولة في القاهرة وقد كتب نبذة عن الكتاب تلميذه الشيخ عليش، وقال: وسئل عنه العلامة سالم السنهوري فأفتى بتحريمه واستمر على فتواه به إلى موته، ولم يخالفه فيه أحد من علماء عصره وتابعه عليه أهل الدين والصلاح والرشد من الحنفية وغيرهم.( فتح العلي المالك)


القصص الواقعية في الآثار الوبيلة لتناول الدخان مؤثرة وناجعة :


كان الشيخ محمد المهدي محمود شقيق شيخ الأزهر السابق عبدالحليم محمود – رحمهما الله – كان مدخناً فرأى مرة في الرؤيا أن النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد الشيخ الصالح محمد أبو الصالح محمد أبو خليل شيخ الطريقة الخليلية، وأنه سلم على الجميع عدا مدخناً أبى أن يسلم عليه، فتأثر الشيخ محمد المهدي وصار شديداً في أمر الدخان، وألف أكثر من رسالة في تحريم التدخين.
(أخبرني بهذه القصة الشيخ المبارك القارئ الجامع عبدالسلام حبوس ).


اقتراح الكاتب للعلاج :


رأسمالنا الوازع الديني في نشر الوعي بأضراره، والمخافة من الله الذي حظر علينا ما يضرنا، ويمكن أن ندعو إلى: 1ـ التدرج في تقليص أراضي زراعته، والتنفير من ذلك، 2ـ التدرج في عقوبة المروجين والمتاجرين، 3ـ التدرج في فرض الضرائب، 4ـ التزام القائمين على ذلك بالإقلاع عنه، 5ـ العناية بفترة الشباب، وذكر تجارب من تركوا وأقلعوا، وأحوال مَنْ عاندوا واستمروا 6ـ حجب المسؤوليات ومراكز الريادة عن المدخنين.


تحريم أجنبي نصراني قديم للتدخين :

في عام 1624م حرم بابا أوروبا السابع التدخين على العالم المسيحي الكاثوليكي، وأما الطائفة الكلفينية فقد أَضافت إلى الوصايا السماوية العشر وصية أخرى هي : لا تدخن!
وأما روسيا القيصرية التي جلب إليها الدخان في بداية القرن السابع عشر فقد أمر القيصر ميخائيل رومانف بجلد من يعثر عليه متلبساً بـ(جريمة) التدخين، وأصدر القيصر ألكسي رومانف عام 1649م أمراً بتحريم التدخين بتاتاً.
ومنع الراهب الديني الذي صحب سفن كولومبس البحارة كلياً من استنشاق (الدخان الغدَّار) لأوراق البتيون، وأخفاه بعضهم فأدخله أسبانيا، ولم تعرف أوروبا الدخان قبل 1492م.


فوائد متفرقة :


** جاء في الموسوعة الفقهية : اتفق الفقهاء على أن شرب الدخان المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام لأنه من المفطرات . (تبغ ف/30)


** وجاء في الموسوعة الفقهية : نقل ابن عابدين عن الشيخ العمادي أنه يكره الاقتداء بالمعروف بأكل الربا , أو شيء من المحرمات , أو يداوم الإصرار على شيء من المكروهات , كالدخان المبتدع في هذا الزمان .(تبغ ف/34)


** أشار أحد الأطباء المتابعين لأضرار التدخين إلى أن ما تبيعه الشركات من التبغ ولفائفه أكبر بكثير مما تنتجه مزارع التبغ في العالم، وهذا يدل على أن الشركات تقوم بتصنيع التبغ من مواد أشد ضرراً من التبغ الطبيعي .


** مما اكتشف من أضرار لاحقة بالتدخين : أن التبغ مادة غير قابلة للاشتعال بسهولة، لذلك فبعض شركات التبغ تضع خيطاً من البلاستيك ممتداً على طول لفافة التبغ، لتضمن استمرار اشتعالها، وبالتالي فإن المدخن يستنشق دخان هذا الخيط البلاستيكي السام إضافة إلى استنشاق دخان التبغ المؤذي.
** يؤرخ الإمام شهاب الدين أحمد بن خالد الناصري في كتابه (الاستقصى لأخبار دول الغرب الأقصى 2/126) لظاهرة انتشار التدخين في المغرب ومن أين جاء فيقول : وفي سنة إحدى وألف 1001هـ أتي بالفيلة من بلاد السودان إلى سلطان المغرب المنصور، وكان يوم دخولها لمراكش يوماً مشهوداً برز لرؤيتها من بالمدينة ثم حملت إلى فاس... وقال بعضهم : وبسبب دخول هذه الفيلة إلى المغرب ظهرت هذه العشبة الخبيثة المسماة بتابغ، لأن أهل السودان الذين قدموا بالفيلة يسوسونها قدموا بها معهم، يشربونها ويزعمون أن فيها منافع. فشاعت منهم في بلاد درعة ومراكش وغيرها من بقاع المغرب.

**قال شاعر طيبة الشيخ محمد ضياء الدين الصابوني – حفظه الله -:


فوائد التبغ فيما قيل أربعةٌ إتلافُ مالٍ وحَرْقُ الصَّدر بالنّار
وقتلُ نفس ببطءٍ لا مراء به على الزمان وإيذاء إلى الجار

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله رب العالمين.

 


إعداد : د. الشيخ محمد ياسر القضماني
المراجعة العلمية : الشيخ عبد الله نجيب سالم
9 من ذي القعدة الحرام 1425
21 /12/2004