آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   الحديث الشريف وعلومه
مظان الحديث الصحيح



مرات القراءة:9689    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

مظان الحديث الصحيح

إعداد الشيخ: إبراهيم الحمدو العمر

ليس من نافلة القول الكتابة في علم الحديث ومعرفة الصحيح فيه من غيره وتمييز كتب هذا الفن ومكانتها وذلك حتى يكون طلاب العلم على صلة دائمة بهذاالعلم الذي يعتبر علم اختصاص له أهله وخاصته وقلما يطلع عليه من ليس من أهله ، إنه من المهم تخصيص باب لعلوم الحديث يطلع عليه المثقفون الذين تهمهم أقوال حبيبهم المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنته الغراء خصوصاً ونحن في زمان كثر الافتراء فيه والتهجم والتزوير لمسلمات ديننا الحنيف وأصبحت موضة العصر عند بعض مرضى القلوب التنكر لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الصحيح منه ،والبخاري ومسلم هما شيخا هذا الفن  والمقدمان فيه وصحيحاهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل الحديث وهما أول مستقى ومورد للحديث الصحيح فكان الحديث عنهما لزاماً لتعرف الأمة مدى حرص الإمامين وكذلك حرص غيرهما من علماء الحديث على حفظ كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإبعاد الشبه عنه وجلالة قدر هذا العمل ومن هنا كان هذا المقال الذي أتكلم فيه عن الصحيحين وهل استوعبا الحديث الصحيح وعن مظان الحديث الصحيح في غيرهما من الكتب والله الموفق .

أول مصنفات الحديث الصحيح المجردة

فتح  الإمام البخاري باب التدوين في الحديث الصحيح المجرد الذي يخلو من الإرسال والانقطاع والبلاغات واعتبره العلماء أول من كتب في ذلك  وقد اعترض البعض على هذا القول بأن مالكاً صنف كتابه الموطأ في الصحيح قبله ، وأجاب العلماء عن ذلك بأن مالكاً رحمه الله لم يفرد الصحيح في الموطأ بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات بل ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف كما ذكر ذلك ابن عبد البر فدل ذلك على أنه لم يجرد كتابه للصحيح وأما البخاري فإن كتابه خلا من ذلك وهو يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ماهذا سبيله إلا أن يكون في غير أصل موضوع الكتاب كالتعليقات والتراجم ،

والسبب في جمع الإمام البخاري لكتابه ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النسفي قال : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم قال فوقع في قلبي ذك فأخذت في جمع الحديث الصحيح ، وعنه أيضاً قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه فسألت بعض المعبرين فقال لي : أنت تذب عنه الكذب فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح ، قال وألفته في ست عشرة سنة وجعلته حجة بيني وبين الله تعالى ، وقد خرجه من زهاء ستمائة ألف حديث وما وضع حديثاً إلا وصلى ركعتين .

ثم جاء من بعد البخاري تلميذه وصاحبه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري فصنع صنيع شيخه وصنف كتابه .. والمعروف بصحيح مسلم ولم يضع فيه إلا حديثاً صحيحاً وقد أخذ من شيخه البخاري واستفاد منه وشاركه في أكثر شيوخه ،

واعتبر جمهور أهل الحديث صحيحي البخاري ومسلم اصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ، ولقد اشتهرت عبارة عن الإمام الشافعي رضي الله عنه تدل على خلاف ذلك وهي قوله : ( ما بعد كتاب الله تعالى أصح من موطأ مالك رحمه الله )وقد أجاب عن ذلك ابن الصلاح رحمه الله بقوله (إنما قال الإمام الشافعي ذلك قبل وجود البخاري ومسلم )

تقديم البخاري على مسلم

قال علماء الحديث والبخاري أصح من مسلم حديثاً صحيحاً من حيث الأحاديث المتصلة هذا إذا استثنينا الأحاديث المعلقة فيه وكذلك تراجم الأبواب   

قالوا والبخاري أيضاً أكثر فوائد لكثرة ما فيه من الاستنباطات الفقهية والنكت الحكمية وغير ذلك ، ولكن هذا القول أيضاً لم يخل من معارض فلقد قال الحافظ أبو علي النيسابوري أستاذ الحاكم : ( ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج )

وقد تعقب الحافظ النيسابوري الإمامُ ابن حجر العسقلاني في الفتح وبين أن قوله إنما يقتضي نفي الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه أما إثباتها له فلا ؛ لأن إطلاقه يحتمل أنه يريد المساواة كما في حديث : ( ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر ) فهذا لا يقتضي أنه أصدق من جميع الصحابة ولا الصديق بل نفى أن يكون فيهم أصدق منه فيكون فيهم من يساويه ) .

كذلك قدم كتاب مسلم على البخاري بعض من شيوخ المغرب ، حكى القاضي عياض عن أبي مروان الطُبْني قال : كان بعض شيوخي يفضل صحيح مسلم على صحيح البخاري ،قال وأظنه عنى ابن حزم وقد نقل عن ابن حزم هذا القول التجيبي في فهرسته وقال مسلمة بن قاسم القرطبي من اقران الدار قطني : ( لم يصنع أحد مثل صحيح مسلم ) .

هذه بعض أقوال من قدم صحيح مسلم على صحيح البخاري ولكنها جميعاً لا تقوى على معارضة قول الجمهور المتفقين ‘لى أن البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ومعلوم أن الجمهور إنما اتفقوا على ذلك بعد سبر لكلا الصحيحين ودراسة وتمحيص قال الحافظ السيوطي مبيناً وجه تفضيل البخاري وتقديمه :( لأنه أشد اتصالاً وأتقن رجالاً )وذكر أوجهاً أخرى كالتي ذكرها من قبله ابن حجر في الفتح

وقال الحافظ ابن كثير : ( والبخاري أرجح لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه ولم يشترط مسلم الثاني بل اكتفى بمجرد المعاصرة ) .

و مسلم يرى أن للمعنعن حكم الاتصال إذا تعاصرا وإن لم يثبت اللقاء  والبخاري لا يرى ذلك حتى يثبت اللقاء بينهما .

ولقد ذكر العلماء ميزة لصحيح مسلم وهي أنه يجمع طرق الحديث في مكان واحد بأسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة فسهل تناوله بخلاف البخاري فإنه قطعها ،في الأبواب بسبب استنباطه الأحكام منها وأورد كثيراً منها في مظنته ؛

وهذه ميزة للبخاري لأنه لم يكن يقطع الحديث دون سبب بل كان يفعله رحمه الله لتمكن عبقريته من الحديث تمكناً يدل على علو كعبه في هذا العلم وتفرده في اقتناص شوارده  فهو يستنبط الأحكام بغزارة علمه معنى يقتضيه الباب وهو رحمه الله لايورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد إنما يرويه غالباً في كل موضع بإسناد آخر ولفظ آخر .

ينقل الإمام ابن حجر في مقدمة الفتح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي : ( اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسناد ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه وقلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد ).

هذا ما ا ختلفوا فيه  في الترجيح مع توضيح بعض أوجه الترجيح والكلام عنها ،

ولكن هذا التفضيل على الجملة وهو غير مانع إطلاقاً أنك ربما تجد حديثاً في غيرهما أصح منهما أو في مسلم اصح من البخاري ولكن ذلك يبقى نادراً فهو لاينسخ اليقين الذي اعتمده أهل الصنعة من أصحاب الحديث  ؛ قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى  : ( قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً كأن يتفقا على حديث غريب ويخرج مسلم أو غيره حديثاً مشهوراً أو مما وصفت ترجمته بكونها أصح الأسانيد، ولا يقدح ذلك فيما تقدم لأن ذلك باعتبار الإجمال ) ،

وقال الإمام الزركشي : ( ومن هنا يعلم أن ترجيح البخاري على مسلم إنما المراد بهه ترجيح الجملة على الجملة لا كل فرد من أحاديثه على كل فرد من أحاديث الآخر ) .

ولكن الذي لا خلاف فيه هو أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول واتفقت على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى وأن كل ما في الصحيحين صحيح وهذا مالم لم يحصل لغيرهما من الكتب أبداً والله أعلم

البخاري ومسلم لم يجمعا كل الصحيح

وإذا علمنا أن جملة ما في صحيح البخاري من الأحاديث سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً بالأحاديث المكررة وبغير المكرر أربعة آلاف وهذا رأي ابن الصلاح وجميع ما في مسلم بلاتكرار نحو أربعة آلاف وهذا قليل بالنسبة للمحفوظ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أقول إذا علمنا ذلك تأكد عندنا أنهما

 لم يجمعا كل حديث صحيح ولم يلتزما ذلك في كتابيهما ؛ قال الإمام البخاري : ( ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح مخافة الطول ) .

وقال أيضاً : ( أحفظ مائة ألف حديث صحيح )

وقال مسلم : ( ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت ما أجمعوا عليه )

والذين يقصدهم بقوله (أجمعوا عليه ) أربعة كما يقول البلقيني وهم  أحمد بن حنبل وابن معين وعثمان بن أبي شيبة وسعيد بن منصور الخراساني ،

فهما  لم يضعا إلا النزر اليسير في كتابيهما الصحيحين  .

ما هي مظان الحديث الصحيح

فإذا كانت هذه حال الإمامين البخاري ومسلم فمن أين نحصل على الحديث الصحيح من الكتب المؤلفة في هذا الفن ؟ وما هي مظانه ؟ والجواب أن العلماء بينوا ذلك ولهم فيه آراء

قال الإمام السيوطي رحمه الله في بداية قسم الأقوال من كتابه جمع الجوامع (الجامع الكبير ) : ( ورمزت للبخاري (خ) ولمسلم ( م) ولابن حبان ( حب ) وللحاكم في المستدرك ( ك) وللضياء المقدسي في المختارة (ض) وجميع ما في هذه الكتب الخمسة صحيح فالعزو إليها معلم بالصحيح سوى ما في المستدرك من المتعقب عليه فأنبه عليه ، وكذاما في موطأ مالك وصحيح ابن خزيمة وأبي عوانة وابن السكن والمنتقى لابن الجارود والمستخرجات فالعزو إليها معلم بالصحة أيضاً وكل ما في مسند الإمام أحمد فهو مقبول فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن ) .

 

والإمام النووي رحمه الله يقول إنها تؤخذ من كتب السنن المعتمدة بشرط النص على صحتها فإن وجناه فيها دون النص على صحته فإنه يستأنس به دون الحكم بصحته قال  في التقريب: ( ثم إن الزيادة في الصحيح تعرف من السنن المعتمدة : كسنن ابي داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والدار قطني والحاكم والبيهقي وغيرها منصوصاً على صحته ولا يكفي وجوده فيها إلا في كتابِ من شرط الاقتصار على الصحيح ) .  

 

وقال الإمام الحاكم : ( الحديث الصحيح ينقسم عشرة اقسام خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها ؛ فمن الأول المتفق عليه اختيار البخاري ومسلم ....إلى أن قال الخامس : أحاديث جماعة من الأئمةعن آبائهم عن أجدادهم لم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم إلا عنهم (كعمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ) و ( بهزبن حكيم عن أبيه عن جده )و( إياس بن معاوية بن قرة عن أبيه عن جده ) أجدادهم صحابة وأحفادهم ثقات فهذه أيضاً محتج بها مخرجة في كتب الأئمة دون الصحيحين ) .

 

وكذلك سنن النسائي الصغرى وهو المشهور بأيدي أهل العلم من مظان الصحيح قال محمد بن معاوية الأحمر الراوي عن النسائي  ك قال النسائي كتاب السنن الكبرى كله صحيح وبعضه معلول إلا أنه لم يبين علته والمنتخب المسمى (بالمجتبى) صحيح كله وذكر الحافظ ابن حجر عدة من الحفاظ أطلقوا اسم الصحة على سنن النسائي .

 

قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى : (ورأيت بخط الحافظ العراقي أن النسائي لما صنف الكبرى أهداها لأمير الرملة فقال له : كل ما فيها صحيح ؟ فقال : لا ! فقال الأمير ميز لي الصحيح من غيره فصنف الصغرى ) .

 

والمستخرجات على البخاري ومسلم أيضاً من مظان الصحيح

ومعنى المستخرج أو المخرج هو أن يخرج المصنف أحاديث كتاب ما ككتاب البخاري مثلاً بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب  فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه مع رعاية ترتيبه ومتونه وطرق أسانيده ، للمستخرجات هذه فوائد كثيرة :

أولها  : علو الإسناد  

والمقصود بعلو الإسناد هو القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدد أقل  في إسناد صحيح ، وربما يكون العلة والقرب لإمام من أئمة الحديث فالمستخرج يفيد علو الإسناد لأن المسنتخرِج يوصله إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدد أقل .

وثانيها الزيادة في قدر الصحيح ؛ لأن المستخرج يروي الحديث وفيه زيادة عن الأصل الذي استخرجه عليه فتكون الزيادة صحيحة لكونها بإسنادهما .

وثالثها : القوة بكثرة الطرق وتفيد الترجيح عند المعارضة

ورابعها : تبيين وقت الرواية كان يكون مصنف الصحيح روى عمن اختلط ولم يبين هل كان سماع ذلك الحديث  في هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده فيبينه المستخرج .

خامسها : رفع الإيهام والأهمال كحدثنا فلان أو رجل فيعينه المستخرج ، أو حدثنا محمد من غير ذكر ما يميزه  عن غيره من المحمدين ويكون في مشايخ من رواه من يشاركه في الاسم فيميزه المستخرج .

سادسها : التصريح بالسماع للمدلس . وغير ذلك .

 

وقفة مع المستدرك 

 

جمع الإمام الحاكم ما رآه من الأحاديث على شرط الشيخين أو أحدهما أو ما أداه إليه اجتهاده في كتاب سماه المستدرك ولكنه كما يقول ابن الصلاح( كان واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء عليه )وهذا ما جعل العلماء يتعقبونه وخصوصاً الإمام الذهبي فلقد تعقبه ولخص مستدركه وبين الأحاديث الضعيفة والمنكرة فيه وجمع جزءاً فيه الأحاديث الموضوعة الموجودة في المستدرك فكانت نحواً من ما ئة حديث ،

 

ولقد وفر الذهبي بصنيعه هذا العناء عن  العلماء الذين يريدون البحث في المستدرك فما أقره الذهبي على الحاكم فهو صحيح وما سكت عنه ولم يتعقبه ولم نجد فيه لغير الحاكم من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً حكمنا بأنه حسن إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه .

ولم يكن تساهل الإمام الحاكم عن تقصير منه قال الأمام ابن حجر : ( إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سود الكتاب لينقحه فأعجلته المنية ) .

وبعد :

 

فهذه إطلالة باستحياء على بعض جهود العلماء في خدمتهم حديث الحبيب المصطفى صلوات الله عليه تبين بوضوح كالشمس أن علماء الحديث لم يدخروا جهداً في دراسة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وتصنيفها وتبويبها وبيان درجتها فهل ترانا بحاجة بعد ذلك إلى إعادة تصنيف و تقسيم السنة من جديد وبيان درجة أحاديث أفنى العلماء أعمارهم بدراستها لنهدم بأيدينا  ما صنعه أولئك الأعلام العمالقة الذين كانوا من خير القرون كما حدث النبي صلى الله عليه وسلم والذين عاشوا في مجد هذه الأمة العلمي والثقافي والحضاري  ؟ لا أرانا بحاجة إلى ذلك والله أعلم .