آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   فلسطين المحتلة
مدينة القدس



مرات القراءة:5753    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

مدينة القدس

بقلم الشيخ : عبد الله سالم

 

عروس من أقدم عرائس المدن الشرقية، خطب ودها على مر التاريخ القديم والحديث كل الملوك والسلاطين, وحاولوا جهدهم أن يضموها إلى ممتلكاتهم, سواء بتودد واحترام ظاهر, أو بقهر وغلبة واضحة, حتى أضحى تاريخها تاريخ الممالك في معظم معمورة الدنيا ، إنها القدس الحاضرة أو أورشليم أو مدينة داود أو يبوس أو ايلياء قديما , وهي التي قال فيها الشاعر:

أيدعوك للقدس الخيال الذي يسري      فما لك في ترك الزيارة من عذر

 

 

خريطة القدس

 

والذين يطلعون على تاريخ مدينة القدس يقفون على صلتها باليبوسيين العرب بناتها الأوائل, ثم يرون كيف تعاقب عليها الفراعنة, فبنو إسرائيل, فمملكة آشور, فالبابليون, فالفرس فاليونان فالرومان فالبيزنطيون, وكل منهم يترك فيها ذكريات حلوة ومرة, وتخفق له فيها رايات النصر , أو تسطر على جبينه سيما الهزيمة , أو تسيل تحت أقدامه أنهار الدماء أو تشهد له بألوان العبادات, أو فظائع الجرائم.

واستمر ذلك حتى أشرقت على القدس  شمس الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فدخلها والمسلمون من ورائه في مشهد مهيب وصورة خاشعة وتقديس بالغ واحترام نادر، كيف لا وهم الذين يقرؤون في كتاب ربهم قوله جل وعلا: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير }.

 

 

منظر عام لمدينة القدس

 

ولقد لقيت القدس من المسلمين على مر العصور كل تكريم واهتمام, بدءا من فاتحها الأول عمر الذي أرسى فيها قواعد الأمن واحترام رموز الديانات الأخرى, فيها إلى بني أمية الذين تعلقوا بالقدس أيما تعلق, فبنوا فيها المسجدين: مسجد الصخرة والمسجد الأقصى, وهو كما يقول الأستاذ عارف باشا العارف في كتابه تاريخ القدس: من أعظم آثار بني أمية في فلسطين, لا بل من مفاخر العرب في الشرق كله، كما شق الأمويون الطرق فيها لتتصل بسهولة بما حولها, بل إن بعض أمراء بني أمية فكروا في نقل دار الخلافة إليها, وبعضهم بلغ به حب القدس أن تقبل مبايعة الناس له بالخلافة على سطح الصخرة.

 

 

سبيل في القدس

 

 

ويسجل التاريخ بافتخار أن بني العباس في خلافتهم أخذوا على عاتقهم حماية الحجاج المسيحيين الذين يفدون إلى القدس للزيارة فعم الأمن سائر أنحائها, كما يقول برنارد الحكيم الذي زار القدس في حينه يقول: إن الأمن العام مستتب للغاية, حتى أن المسافر ليلاً يفرض عليه أن تكون بيده وثيقة تثبت هويته, وإلا زج به في السجن حتى يحقق في أمره، وإذاسافرت من بلد إلى بلد ونفق جملك أو حمارك, وتركت أمتعتك مكانها وذهبت لاكتراء دابة من البلدة المجاورة, عدت فوجدت كل شيء على حاله لم تمسه يد..   

 

ويصف المقدسي مدينة القدس في كتابه " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم " وكان في عهد الفاطميين فيقول: بيت المقدس ليس في مدائن  الأقليم أكبر منها، ليست شديدة البرودة وليس بها حر وقلما يقع بها  ثلج، تلك صفة الجنة، بنيانها حجر، لا ترى أحسن منه ولا أتقن من بنائها, ولا أعف من أهلها, ولا أطيب من العيش بها, ولا أنظف من أسواقها, ولا أكبر من مسجدها, ولا أكثر من مشاهدها.

 

إلا أن القدس ـ التاريخ ـ لا تزال إلى اليوم, وبكل مرارة ـ تستحضر في ذاكرتها كيف دخلها الصليبيون بقيادة غودفرى دو بوبون أمير مقاطعة اللورين الفرنسية، والأمراء الآخرين معه في الساعة الثالثة من بعد ظهر الجمعة الموافق 15 تموز 1099م حيث كانت ساعة دم وثأر وشؤم ودمار في تاريخ القدس.. لقد ذبحوا ما بين سبعين إلى تسعين ألف مسلم باعتراف مؤرخيهم أنفسهم الذين سطروا في رسالتهم إلى البابا في حينه: أن خيولهم في إيوان سليمان كانت تخوض في بحر من دماء المسلمين حتى ركبها، نعم لقد كانت ساعة رهيبة لم يوقف أحزانها إلا صلاح الدين بلمساته الحانية يوم الفتح الأكبر, التي أزالت آثار أؤلئك البرابرة, حينما دخلها ظافرا فأعاد لكل شيء في القدس قداسته وإجلاله, وزاد على ذلك بأن نقل إلى المسجد الأقصى منبراً فريداً في صنعه واتقانه, كان قد أعده عمه الأمير نور الدين زنكي قبل وفاته لذلك, وأنشأ الخانقاه والمدرسة الصلاحية ووقفهما للفقهاء الشافعية ورباطا للمتصوفة.

 

 

ولم تكن القدس في العهود اللاحقة بعد ذلك منسية مهجورة, وكانت دائما وأبداً رمزا من رموز الحضارة الإسلامية, وعلماً من أعلامها, يصفها السائح العثماني " أوليا جلبي " الذي زارها حوالي سنة 1670 للميلاد مادحا خبزها وثمارها وخضارها ومسكها وعطرها وبخورها ومباخرها النحاسية ويضيف يقول: كان فيها ألفان وخمسة وأربعون دكانا,  وستة خانات عظيمة, ومحتسب وأسواق, وثلاثة وأربعون ألف كرم. ورأى في  هذه الكروم زهاء ألف وخمسمائة منظرة, وكان يسكنها ستة وأربعون ألف نسمة أكثرهم عرب مسلمون, وكان فيها كنيس للأرمن, وثلاث كنائس للروم, وكنيسان لليهود, ومائتان وأربعون محرابا للصلاة, وسبع دور للحديث, وعشر دور للقرآن الكريم, وأربعون مدرسة للبنين,  وستة حمامات, وثمانية عشر سبيلا يشرب الماء منها العطشان, وسبعون تكية للمتعبدين والزاهدين من أهل التصوف.

 

كنيسة القيامة

 

ولا يكاد يوجد في الدنيا طائفة من طوائف الأديان الثلاثة إلا ولها في القدس أثر أو متعبد, فلليهود حائط المبكى وبعض الكنائس، والمدارس والقبور، وللروم الأرثوذكس والكاثوليك واللاتين والأرمن والأقباط والأحباش والسريان والموارنة وغيرهم من فئات النصارى أديرة وكنائس ومدارس ومراكز, أهمها كنيسة القيامة التي يزعم النصارى أن فيها قبر المسيح عليه السلام خلافا لكلام الله تعالى في القرآن الكريم  .

 

ولكثرة خلاف هؤلاء ونزاعهم منذ القديم حول هذه الكنيسة فقد عهد صلاح الدين الأيوبي بمفاتيحها إلى عائلتين مسلمتين هما : نسيبة وجودة ، ولا يزال أحفادهما يحتفظون بهذا الحق إلى الآن، فالمفاتيح يتولى حفظها آل جودة, بينما يقوم آل نسيبة بفتح الأبواب وإغلاقها .

 

وأما المقدسات الإسلامية في القدس, فإنها بعدد أغصان الزيتون التي اشتهرت القدس بكثرتها.. فمن يطيق حصر المساجد والجوامع والزوايا والمدارس والمقابر والأربطة الإسلامية التي بناها المسلمون في القدس على مر العصور.. تلك مسألة تكاد تكون مستحيلة.. إلا أن أشهر الباقي منها خالدا قائما هما أثران هامان أولهما: المسجد الأقصى الذي لقي عناية الأمراء والكبراء مما جعله قطعة فنية نادرة في الهندسة والبناء والزينة, بل إن فيه جميع مرافق الحياة العامة من مخازن وسراديب وأسوار وخزانات مياه, إضافة إلى محاريب العبادة وغرف التدريس .

إلا أن المسجد القصى شهد  أيدي اليهود الآثمة تمتد إليه قبل حوالي ثلاثين سنة (عام 1968م) تحاول إحراقه وتدمير !!!

 

 

وثانيهما: مسجد الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن  مروان, بعد أن رصد له خراج مصر لسبع سنين, وعهد إلى رجلين من خيرة العلماء والفقهاء بتولي ذلك وهما: رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام، وقد رفضا بعد إتمام العمل تسلم مائة ألف دينار جائزة لهما, وهي ما تبقى من ميزانية المشروع.. وقالا للخليفة: نحن أولى أن نزيده من حلي نسائنا فضلا عن أموالنا, فاصرفها في أحب الأشياء إليك, فأمر بأن تسبك ذهبا وتفرغ على القبة والأبواب.

ويصف المؤرخون صخرة بيت المقدس فيقولون: إن طولها من الجنوب إلى الشمال قرابة 18 مترا, وعرضها من الشرق إلى الغرب 5ر13 , وارتفاعها عن الأرض يتراوح بين المتر والمترين, وهي بالطبع ضمن ما يسمى بالحرم القدسي, الذي يضم إضافة إلى مسجدي الصخرة والأقصى أربع مآذن وأروقة وسبعا وعشرين بئرا وسبلا كثيرة وعددا من القباب والمغارات وعشرة أبواب مفتوحة وأربعة مغلقة في مساحة تبلغ 650 و 260 مترا مربعا.

 

 

وفي القدس منذ القديم مدارس دينية عديدة منها ـ عدا الصلاحية المنسوبة إلى صلاح الدين ـ رحمه الله ـ المدرسة الميمونة والمدرسة المعظمية والمدرسة البدرية والمدرسة الداودارية والموصلية والجاولية والكريمية والتنكزية والخاتونية وغير ذلك كثير جدا, وهذا ما أفسح المجال للحركة العلمية لتنشط وتخرج رجالا من كبار العلماء كابن قدامة المقدسي وابن رجب الحنبلي وغيرهما.

 

والقدس مدينة جبلية تقع على عدد من التلال, أشهرها جبل الزيتون والمكبر والقطمون, ولئن لم تكن بذاتها مدينة زراعية أو صناعية, إلا أن الفواكه والخضر بجميع ألوانها وأنواعها لا تنقطع من أسواقها, لا في الصيف ولا في الشتاء, لأن البقاع التي حولها كالخليل ورام الله وطول كرم وقلقيلية وأريحا ويافا وغزة تمدها بكل ما تحتاجه من أنواع الزروع والثمار والبقول والمنتجات, فأرض فلسطين عموما أرض خصبة مباركة..

وقد اشتهرت القدس في الماضي بصناعة الصابون المتخذ من الزيتون الذي توارث المقدسيون زراعته والعناية به, حتى عرفوا بكثرة ما تنتجه بلادهم من الزيت النقي الممتاز. ومثل صناعة الصابون، صناعة استخراج زيت السمسم وغيرهما من الصناعات.. والتجارة في القدس رائجة وفيها عدد كبير من التجار يملكون ثروات طائلة.

وأخيرا فلا بد من القول أن ذلك كله كان حديث الأمس عن القدس.. أما الحديث عنها اليوم فإنه معجون بالمآسي، مفعم بالحسرات ممزوج بالقلق.. كيف لا والعين باصرة والكف قاصرة، عن مد يد العون والاستنقاذ للقدس الشريف من بين براثن اليهود الاخباث, شذاذ الآفاق وقتلة الرسل وأعداء الإنسانية..

 

لقد فتح القدس عمر وحررها صلاح الدين فمن لها اليوم يا ترى؟..