آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    الفقـــــه وعلومه   مقالات وأبحاث
الأوقــاف.. سنة مشرفة ، ومصارف متنوعة



مرات القراءة:2228    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الأوقــاف.. سنة مشرفة ، ومصارف متنوعة

 

بقلم الباحث الشيخ عبد الله نجيب سالم

 

أتصور أنه منذ عشرين سنة حتى الآن انخفضت نسبة ما يوقفه الناس على عمل الخير بشكل ملحوظ وواضح، وهذا الأمر ليس خاصا بالكويت، بل هو ظاهرة عامة في جميع البلاد الإسلامية.

هل سمعتم في هذه الأيام ـ أن أحدا من أهل القسائم وقف قسيمة أو رجلا من أصحاب الأسهم وقف أسهما، أو غنيا من أرباب المصانع وقف مصنعا، أو تاجرا من تجار العقارات والبنايات وقف بناية.. أظن أن الجواب هو: غالبا لا، إلا ما رحم الله . وقليل ما هم !!.

نعم.. أن أكثر ما تتجه إليه الرغبة الآن في الوقف.. إنما يتمثل في مسجد يبنى، أو سبيل ماء يعمر، أو أموال نقدية تدفع.

ولكني أظن أن هذا هو أضعف الإيمان، بل الصورة الناقصة للوقف الذي عرفناه في تاريخنا الإسلامي أولا: يجب أن نعلم أن الوقف ليس مقصورا على المساجد، وأن كانت المساجد من الصور الجميلة للوقف.. فالوقف اخذ خلال التاريخ الإسلامي صور التفنن والإبداع في البحث عن وجوه الخير التي يرفع المسلم رأسه عاليا فخرا واعتزازا بها.

تصوروا معي أمثلة للوقف في ماضيه الزاهر كيف كان أصحاب النفوس الفاضلة يعملون... كانت هناك أوقاف خاصة على المرضعات يسمى وقف الحليب، بمعنى أن مؤسسه وواقفه قد وقف أراضي وعقارات وأموالا يجمع ايرادها ليشتري به حليب طازج كل يوم بكميات كبيرة تملأ خزانا، فتأتي النساء الحوامل والمرضعات كل واحدة بكوبها أو صحنها فتشرب من هذا الحليب.. طبعا القصد من ذلك المحافظة على غذاء الجنين والرضيع والأم.

وكانت هناك اوقاف عبارة عن قصر مشيد فيه كافة التجهيزات اللازمة للأفراح في منطقة من أجمل مناطق الربوة في دمشق الفيحاء ، هذا القصر مخصص للفقراء الذين يتزوجون حديثا ولا يستطيعون أن يشاركوا الأغنياء في الانفاق وسكنى القصور، والوسيلة التي يدخلون بها السرور على قلوبهم إنما هي في استخدام هذا القصر أيام أعراسهم مجانا بلا مقابل.!!

وكان هناك وقف عجيب، لا أظن أن في الأرض أرق قلبا من صاحبه أو صاحبته ـ لأن النساء كن ينافسن الرجال في الوقت ـ لقد كان صاحبه من أرباب النفوس الراضية المرضية التي تضطرب لبكاء الصغير وخوفه ولا تطيق أن تراه يضرب بسبب كسر إناء أو ماعون ، لذلك فما على الخادم أو الولد الذي ينكسر معه شيء من ذلك ويخشى أن يعود إلى أهله فيعاقبوه ، إلا أن يجمع الأجزاء المتكسرة فيمضي بها إلى ناظر الوقف ليعطيه بدلا عنها إناء سليما.. فيمضي به فرحا سعيدا، ويعود إلى أهله عودا حميدا.

وكان هناك وقف على العميان، ووقف على المرضى، ووقف على العجزة وكبار السن، ووقف على الحيوانات العاجزة والمريضة ، ووقف على البنات العوانس الفقيرات اللواتي يرغب في تزويجهن بإعانة أزواجهن بشيء من المال.. لا غضاضة في ذلك.. ولا عيب.. وأمثلة وأمثلة..

فهل سمعتم بأمة من أمم الأرض كان لها توجه إلى الخير كما كان لأمة المسلمين؟

هل تحول المسلمون بعد أن كانوا فنانين ومبدعين في التسابق على وجوه الخير الخصبة إلى مجرد أناس همهم جمع المال وتكديسه ، والمضاربة بالأسهم والعقارات ، والتهافت على البطاقات الائتمانية وما فيها من دينار ودولار ويورو واسترليني !!!