آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    الأسرة المسلمـــة   مقالات وأبحاث
الأميرة الشهيرة



مرات القراءة:2936    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الأميرة الشهيرة

 

إحدى سيدات المجتمع:

 

 

هل كان جمال هذه المرأة السبب الوحيد لشهرتها ؟! قطعاً لا.

 كانت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمية إحدى شهيرات عصرها – وهو عصر التابعين – من سيدات المجتمع العربي جمالاً وأدباً ونسباً وذكاء.

فأبوها طلحة بن عبيد الله أحد أشهر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وأحد المبشرين بالجنة. وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. وخالتها عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما... وأنعم بمثل هذا النسب العريق. فكيف إذا أنضم إلى ذلك جمال باهر ومجد زاهر.

رآها أبو هريرة رضي الله عنه ذات مرة فقال: سبحان الله!. كأنها الحور العين. ما أحسن ما غذاك أهلك.

-       وتطلب العلم:

وتتبارى كتب التاريخ والأدب في ذكر جمال هذه المرأة التابعية، بل

وتذكر عنها قصصا كثيراً يكاد المرء يقف متردداً في قبول بعضه لغرابته ونكارته. خاصة إذا علمنا أن عائشة بنت طلحة روت الحديث ونقله ثلةٌ من أكابر التابعين، أمثال: طلحة بن عبدالله بن عبدالرحمن وحبيب بن أبي عمرو وابن أخيها معاوية بن إسحاق وابن أخيها الآخر طلحة بن يحيى والمنهال بن عمرو وفضيل بن عمرو وعطاء بن أبي رباح وعمر بن سعيد وعبدالله بن يسار وعمر بن سعيد وغيرهم.

قال عنها أمام الجرح والتعديل يحيى بن معين: ثقة حجة وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: حدث الناس عنها لفضلها وأدبها، وقد ذكرها اين حيان في الثقات.

ولهذه الأسباب، فلا عجب إذا علمنا أن أشراف العرب وأعيان المجتمع المكي والمدني كانت عائشة بنت طلحة بالنسبة لهم مطمح الآمال ومعقد الرجاء.

-        ابنة أبيها:

وقبل أن نخوض في سيرة عائشة بنت طلحة مع أزواجها –وهم كرام العرب- يذكر لنا ابن عبد ربه في العقد الفريد كيف رأت أباها بعد موته بعشرين يوماً وهو يكرر على مسامعها: يا بنية أخرجيني من هذا الماء الذي يؤذيني. فلما انتبهت من نومها جمعت أعوانها، ثم نهضت فنبشته، فوجدته صحيحاً كما دفن لم تنحسر له شعرة، ووجدت ماء يسيل عليه، فهيأت له قبراً بالبصرة فدفنته فيه، وبنت حوله مسجداً، وتبارت مع صويحباتها في تطييب قبره، حتى غدا ترابه كالمسك

 في بيت السبط الحسن بن علي :

ولعل أول أزواجها كان الحسن بن علي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يعرف لها شرفها ونبلها.

قال لها ذات مرة: أمرك بيدك. فقالت: قد كان عشرين سنة بيدك. فقالت فأحسنت حفظه، فلن أضيعه إذ صار بيدي ساعة. وقد صرفته إليك. فأعجبه ذلك منها وأمسكها.

-          وزوجة ابن أبي بكر:

وقد تزوجها أيضاً عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر، فلم تلد من أحد من أزواجها سواه، ثم آلى (أي حلف) منها مغاضباً، فأرسلت أم المؤمنين عائشة تقول له معاتبة:

يقــولون طلقـهـا لأصبـح ثاويـاً

                                            مقيماً عليَ الهمَ  أحلام نائم

وإن فـراق أهـل بيـت أحـبهـم

                                  لهـم زلـفة عندي لأحدى العظائم.

-       مع أمير العراقين:

ولكن أشهر أزواج عائشة بنت طلحة سيدة نساء عصرها جمالاً وفتنة كان الأمير الجميل الشجاع المقدام: مصعب بن الزبير، الذي كان لها معه شأن وأي شأن.

أمهرها مهراً عظيماً، وأهدى إليها مثله، وأحلَها قلبه، وأنزلها في سويدائه

أرفع منزل، حتى رويت في دلالها عليه – بل ومغاضبتها له، وكذلك في الأساليب المتنوعة التي كان يستخدمها لمصالحتها – روايات عجيبة.

روى المبرد أن عائشة بنت طلحة عتبت على مصعب بن الزبير فهجرته. فقال مصعب: هذه عشرة آلاف درهم لمن احتال لي أن تكلمني. فقال له ابن أبي عتيق: عد لي المال. ثم صار إلى عائشة يستعتبها لمصعب – أي يسترضيها له – فقالت: والله ما عزمي أن أكلمه أبداً.

فلما رأى جدها قال لها: يا بنت عم، إن قد ضمن لي إن كلمتيه عشرة آلاف درهم! فكلميه حتى آخذها، ثم عودي إلى ما عودك الله..!

-          حيلة عجيبة:

بل إنها لدلالها عليه وإعجابها بنفسها كانت تمتنع على مصعب في غالب الأوقات!.. يقال: إنه دخل عليها يوماً وهي نائمة، ومعه ثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار، فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها. فقالت معجبة بنفسها: نومتي كانت أحب إلي من هذا اللؤلؤ.

فلما رأى مصعب حالها شكا إلى كاتبه ابن أبي فروة أمرها. فقال له: أنا أكفيك هذا إن أذنت لي. فقال: نعم. افعل ما شئت.

فأتاها ابن أبي فروة ومعه عبدان أسودان فستأذن عليها. فقالت: أفي مثل هذه الساعة؟ قال: نعم. فأذنت له. وظنت أن في الأمر عظيما. فدخل فقال للأسودين: احفرا هاهنا بئراً. فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر. قال: شؤم مولاتك. أمرني هذا الظالم – يعني مصعبا-أن أدفنها حية، وهو أسْفك خلق الله لدم حرام. فقالت عائشة: فأنظرني اذهبْ  إليه. فقال: هيهات لا سبيل إلى ذلك. وقال للأسودين بنبرة حازمة: احفرا.

فلما رأت الجد منه بكت وقالت: يا ابن فروة إنك لقاتلي، ما منه بد!.. قال: نعم. وإني لأعلم أن الله سيجزي مصعباً بذلك ولكنه قد غضب وهو كافر الغضب. قالت: وفي أي شئ غضبه. قال: من امتناعك عليه. وقد ظن أنك تبغضينه وتتطلعين إلى غيره، فقد جُنَ.

فقامت إليه تتوسل وتبكي ليراجعه، وهو يأبى ويظهر لها الخوف على نفسه إن راجعه، حتى علم أنها قد لانت واستكانت، فأظهر تعاطفه معها في موقف مفتعل، وأظهر لها أنه سيعرض نفسه لغضب مولاه رحمة لها، وضمن منها أن لا تعود، وأخذ على ذلك المواثيق حتى صلحت بعد ذلك لمصعب إلى أن قتل... وكانت تذكر دائماً أيام العز والسؤدد في كنفه.

وقد تزوجها بعد مصعب بن الزبير عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي جاء من الشام فخطبها في الكوفة –وكان ابن عم لها ففضلته على بشر ابن مروان أحد كبراء بني أمية. وبنى بها عمر بن عبيد الله بالحيرة، ومدت له يوم عرسه فرش لم ير مثلها، وغالى فيما ساق إليها من مهر.

ومكثت عائشة بنت طلحة عند عمر بن عبيد الله ثماني سنين، ثم مات عنها  سنة 82هـ، فندبته قائمة، ولم تندب أحداً من أزواجها إلا جالسة، فقيل لها في ذلك فقالت: إن كان أكرمهم علي، وأمسَهم رحماً بي، وأردت أن لا أتزوج بعده. وتهافت عليها بعد عمر هذا كثير من أشراف العرب فأبتهم ورفضتهم.

-       أبهة  ملكية:

وقد كان لعائشة بنت طلحة إذا رحلت موكب لا يقل عن مواكب أمراء القوم وأعيانهم، بل كانت تنافس في بنات الملوك والخلفاء دون خشية... وكان لها في حاشيتها خازنة وماشطة وأعوان كثير.

استأذنت عاتكة بنت يزيد عبدالملك بن مروان في الحج فأذنت لها، وقال: ارفعي حوائجك، واستظهري (أي اكثري) فإن عائشة بنت طلحة تحج. ففعلت. فجاءت عاتكة بهيئة جهدت فيها.

فلما كانت بين مكة والمدينة إذا موكب قد جاء فضغطها وفرق جماعتها، فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة. فسألت عنها فقالوا: هذه خازنتها. ثم جاء موكب أعظم من ذلك فقالوا: هذه ماشطتها. ثم جاءت مواكب على سننها. ثم أقبلت كوكبة فيها ثلاثمائة راحلة عليها القباب والهوادج فيها عائشة. فقالت عاتكة بنت يزيد بن معاوية تعلل نفسها:

-       ما عند الله خير وأبقى.

 

-       وعالمة بالشعر:

وكان الشعراء يطوفون حولها يريدون النظر إلى وجهها الصبوح، وكانت تصل كثيراً منهم بعطاياها، ولم تكن ضعيفة مع الخلفاء، بل كانت ذات كلمة وبأس.

وفدت على هشام بن عبدالملك فقال لها: ما أوفدك؟ قالت: حبست السماء المطر، ومنع السلطان الحق. فقال: إني أعرف حقك.

ثم بعتُ إلى مشايخ بني أمية فقال: إن عندي عائشة بنت طلحة. فحضروا فما تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وأيامها إلا أفاضت معهم فيه، وما طلع نجم ولا غار إلا سمته. فقال هشام: أما الأول -أي الشعر وأيام العرب- فلا أنكره. وأما النجوم فمن أين لك. قالت: أخذتها عن خالتي عائشة. فأمر لها هشام بمئة ألف درهم، وردها إلى المدينة مكرمة معززة.

وكانت قبل هشام قد دخلت على الخليفة الوليد بن عبدالملك وهو بمكة فقالت: يا أمير المؤمنين مُرْ لي بأعوان. فضم إليها أقواماً يكونون معها، فحجت ومعها ستون بغلا عليها الهوادج والرحائل. فعرض لها عروة الزبير فقال:

يـا عائـش يــا ذات البغال السـتين

                          أكل عام هكذا تحجــــيـن ؟!

-       وفاتها:

عاشت عائشة بنت طلحة أجمل نساء العرب وأنسبهم حتى ماتت سنة نيف مئة. رحمها الله وغفر لها.

 

المراجع:-

مرآة الجنان لليافعي، العقد الفريد، طبقات ابن سعد، الأغاني، تهذيب التهذيب، الكامل للمبرد، نهاية الأدب للنويري، أعلام النساء. 

 

عبد الله نجيب سالم

الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية

دولة الكويت