آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    الأسرة المسلمـــة   مقالات وأبحاث
أمور الزواج.. والكيف والمزاج



مرات القراءة:5169    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

أمور الزواج.. والكيف والمزاج

 

لست من أعداء الماضي والقديم على الإطلاق.. بل ان في الماضي ذكريات ربما كانت ذات نكهة مميزة وطعم خاص، تجعل اكبر اماني المرء ـ لو تمكن من العودة اليها ـ العيش في ظلالها.. ولكن هيهات هيهات!
بيد أن الماضي ايضا، ربما كان يحمل في طيّاته ألوانا من الآلام او الانحراف او التسلط والعدوان على حقوق الآخرين.. وفي مثل هذه الحالة لا يسع المرء إلا ان يحمد الله تعالى على زواله وتحوله وتغيره وتبدله، على الرغم من حنين بعض «الشيّاب» اليه وتفكههم بالحديث عنه. ويسرني ان اضرب على ذلك مثلا:
في الماضي، كان الأب لا يشاور ابنته حين يزوجها، بل ربما جاء صديقه او قريبه، فخطب منه ابنته لنفسه او لابنه، فلا تسعه الا الاجابة في الغالب، او ان يستمهله ليخبر زوجته الامر ويستمزج رأيها فيه، ثم يعمد الى عقد النكاح وإبرامه، ثم يعود الى البيت ليفاج.ئ ابنته بما تم تدبيره وانتهى، مما لا يترك لها خيارا إلا الرضا والصمت، خوفا من غضب الاب او العار والموت! هذا الاجبار على الزواج كان منتشرا تحت حجة ولاية الاب وحقه في اجبار ابنته البكر الصغيرة على الزواج، جراء تهمة التقليل من خ.برة البنت الحياتية والشك في معرفتها بالناس، وهذه الحال اذا صحت احيانا فإنها كانت اكثر انتشارا وسوءًا في البادية والاماكن النائية والمجتمعات المغلقة.
ومع تطور الزمن، ومع العلم والتعلم، الذي خاضت المرأة بحره ولُججه حتى الاعماق، ومع انتشار مفاهيم كثيرة تمجد حرية الشخص، خصوصا في اختيار شريك او شريكة الحياة، صحا الناس على حكم الاسلام الاصلي في ان الولي ليس له اجبار ابنته العاقلة الراشدة على الزواج ممن لا تريد، خصوصا اذا ابدت اسبابا واقعية للرفض، فعند ذلك لا يمكن لأحد ان يجبرها حتى ولو كان أباها.
وتصورت ان الشباب في عصرنا هذا من مؤيدي هذه الفكرة ومشجعيها، وان جهل الاولين هو الدافع الى التصرف الخطأ هنا، ولكن خاب الظن وانعكس الامر حين فوجئت في مجلس ذات عشية بان عددا من الشباب ليس بالقليل ـ بل وبعضهم على رتبة من العلم ـ لا يزال يفكر بالطريقة الماضية والاسلوب القديم، ويجادلني بحرارة واصرار في حق الاب او حتى الاخ الاكبر على إجبار البنت على الزواج من دون الرجوع اليها، ولو للمشاورة واستظهار الرضا، ويحاول ان يستدل لرأيه ببعض الحوادث الفردية او الادلة المبتورة.
نعم، ان البعض يفكر في قضايا الزواج بما يوافق الهوى والمزاج فلا يزال يظن او هكذا يخيل اليه ان من حقه ان يجبر بكل عنف وعنجهية مَنْ تحت ولايته من النساء على الزواج من دون مشاورتهن، او لا يزال يظن من جهة اخرى، ان الزوجة تصبح ملكا حقيقيا للزوج، يحقّ له ان يفعل بها ما يشاء، او لا يزال يظن ان للرجل في الحياة قرص العسل وطبق السكر وقطعة الحلوى، وليس للمرأة الا الكبت والقهر وصنوف «البهدلة» في حياتها.
إن عقد الزواج او الحياة الزوجية، ليست الا مشاركة بين طرفين متساويين في اصل الحقوق، ولم تدع شريعتنا الغراء امر التساوي في الاصل والتفاضل في بعض النقاط الفرعية، خاضعا لأهواء الرجل او الزوج ورغباته، بل حددت ذلك بقول الحق سبحانه: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة» وضرب النبي صلى الله عليه وسلم خير مثال، حينما أعطى فتاة الحق الكامل في إبطال عقد ابيها لابن عمها عليها من دون علمها! ولقد اجتهد علماؤنا سابقا في امر الولاية على البنات، وكان لهم آراء عديدة وسديدة، ولكن لا أتصور أيا منهم دعا الى انكار حق المرأة في الاختيار والرضا بشكل او بآخر، ومن الخطأ الواضح والجهل الفاضح اننا ـ بعد كل المتغيرات الحياتية ـ لا نزال نتجادل في حق المرأة في الزواج ممن تريد أو لا تريد!
إن ديننا دين المنطق والعقل لا دين الاستبداد والجهل، وهو دين الإنصاف والحق، «لا دين العنف والطقّ!».

 

الباحث الشيخ عبد الله نجيب سالم