آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العالم الإسلامي   الدعوة إلى الله
للزمن قيمة فلنحرص عليها



مرات القراءة:2922    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

للزمن قيمة فلنحرص عليها

بقلم الشيخ الدكتور أحمد خضير عباس

 

 

الحمد لله الذي جعل لنا أجلاً محدداً، وجعله هبة للإنسان امتحاناً واختباراً ، فمن ملأه بالخير سعد ، ومن لم يغتنمه بالخير شقي وهلك, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي حثّ على اغتنام الأوقات للطاعات وأداء الحقوق  والواجبات ، وعلى اله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

وبعد :

فالوقت أنفس من الذهب والجوهر، وأغلى من كنوز الأرض، وكل ساعة تمرّ، فهي تدني الإنسان من القبر , وعمر الإنسان هو  كله ، فإذا انخرم منه وقت،ا نتقص من بدنه  , ولذا عليه أن يعرف قيمة الوقت فيستغلّه بما يسعده ,ويبعده عمّا يشقيه , وعليه أن يحسب لذلك حساباً , كلّ لحظة تمّر عليه ،يجب  أن يستغلّها وان يجعل فيها خيراً، لعله لا يحصل على لحظة أخرى، فالنبي عليه الصلاة والسلام: حثّ أمته على اغتنام فرص العمر لكل لحظة منه، ففي الحديث الذي يرويه الإمام البخاري عن ابن عمر (( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح , وخذ من حياتك لموتك , ومن صحتك لسقمك , فانك يا عبد الله، لا تدري ما اسمك غدا ))

فالزمن هو عمر الحياة , وميدان وجود الإنسان , وساحة ظلّه وانتفاعه ,والزمن من أجلّ أصول النّعم وأعلاها

وقد أشار القران الكريم إلى هذه النعمة، نعمة الزمن في كثير من الآيات  منها : { وسخّر لكم الليل والنهار و الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } سورة النحل : (12)  فامتنّ الله تعالى في جلائل نعمه، بنعمة الليل والنهار، وهما  الزمن الذي نتحدث عنه , ويمرّ به هذا العالم الكبير، من أول بدايته، إلى نهاية نهايته .

والزمن: اقسم الله به، في آيات من القرآن ،منها:

{ والليل إذا يغشى , والنهار إذا تجلى } الليل : (2)  { والليل إذا عسس والصبح إذا تنفس } التكوير : (17-18)

{ والضحى والليل إذا سجى } الضحى  : (1)  { والعصر إن الإنسان لفي خسر }العصر:(1)

والملاحظ أن قسم الله تعالى بالزمن، كان هامّا في أعلى درجات الأهمية

فلو أن إنسانا ضيّع عمره في ما لا يعنيه , وفي اللّحظة الأخيرة تاب , ومات على التوبة , ثبتت له السعادة الأبدية

في اللحظات الأخيرة من العمر، فهو من أهل الجنة ابد الآباد , وفي الجنة ما فيها _فيها ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر , واقلّ المؤمنين عطاءا في الجنة بقدر  الدنيا  أضعافها , بقارّاتها، يا بسها وبحارها

 عامرها وصحاريها،علم أن اشرف الأوقات في حياته، تلك اللحظات التي رجع فيها إلى  الله , وأما الوقت في السنّة النبوية المطهرة  ,ففيها بيان: على أن الوقت من أعظم النّعم، ففي حديث الإمام البخاري ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )فوقت الصحة والفراغ، كرأس مال التاجر، فإذا لم يربح في تجارته، فهو خاسر , كذا الإنسان إذا لم يستغنم هاتين النعمتين , وصرفهما في غير محا لّهما ، كانتا عليه وبالاً، وفي الحديث إشارة، أن هذا الوقت لا يستفيد منه إلا الموفّقون، وهم قلّة، وأما المفرّطون، فهم كثير , والوقت، إذا انقضى لا يرجع ، ولو علم الإنسان عند تحقّق الفوت، مقدار ما ضاع، طلب الرجعة، فحيل بينه وبين الاسترجاع , وطلب تناول الفائت، فلا يردّ الأمس في اليوم الجديد .وأما الزمن عند السلف الصالح: فهم حريصون على كسبه وملئه بالخير، احرص منّا على الدرهم والدولار...وسأذكر نماذج عنهم :...

أولا : أحد التابعين استوقفه رجل للكلام , فقال له العابد : (احبس الشمس، حتى أكلمك، فإنّ الزمن لا يعود بعد مروره , فخسارته، خسارة لا يمكن تعويضها  , لأنه لكل وقت، ما يملؤه من العمل ).

فالوقت ثمين: لذا قرّر الفقهاء، إن للوقت ثمناً , ولذا يزاد بشيء من ثمن السلعة إذا بيعت آجلا وذلك تقدير الزمن بالمال

ثانياً :قال الحسن البصري:( يا ابن آدم إنما أنت أيام , فإذا ذهب يوم ذهب بعضك).

ثالثا :نقل عن الخليل الفراهيدي انه يقول ( أثقل الساعات عليّ  ساعة آكل فيها ) فالله أكبر، ما أشدّ فناءه في طلب العلم وما أوقد غيرته على الوقت.

 

رابعاً :نقل عن محمد بن سلاّم شيخ البخاري : كان يكتب في الدرس، فانكسر قلمه , في الحال قال ( قلماً بدينار) فتطاريت عليه الأقلام،هذا  فكّر سريعاً: لو ذهب إلى السوق، ليشتري قلماً لضاع الوقت , ولو قال: أعيروني، لما التفت إليه أحد , فبذل المال لكسب الوقت، فحصل على بغيته

 

خامساً :ذكر الإمام الترمذي ( أوّل ما جلس يحيى بن معين إلى محمد بن الفضل , سأله عن حديث  فساق محمد بن الفضل السند عن ظهر غيب , فقال يحيى بن نعين: لو كان من كتابك ؟. فقام محمد بن الفضل , ليخرج الكتاب , قبض يحيى بن معين على ثوبه , وقال: أمله عليّ أوّلا. فانّي أخاف ألا القاك , فأملاه عليه، ثم أخرج الكتاب  فقرأه عليه

هذا حرص السلف على الزمن، لأنهم يرونه ثميناً ,والله تعالى فضّل بعض الأوقات على بعض , فشهر رمضان هو أفضل الشهور , فالحرص على اغتنام هذا الشهر , وملئه بالخيرات  لهو دليل على حزم المسلم.

فرمضان فيه نفحات أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعرض لها , ففي الحديث ( افعلوا الخير دهركم، وتعرّضوا لنفحات رحمة الله، فإنّ لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده , واسألوا الله أن يستر عوراتكم , وأن يؤمّن روعاتكم ) فرمضان: فيه كنوز لا تضيّع , فيه مضاعفة الحسنات , ففي الحديث ( كلّ عمل ابن آدم  يضاعف، الحسنة بعشرة أمثالها الى سبعمائة ضعف , قال الله تعالى : إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي , للصائم فرحتان , فرحة عند فطره، و  فرحة عند لقاء ربه , ولخلوف فيه( أي فمه) أطيب عند الله من ريح المسك ) رواه مسلم

وفي صيام  يوم منه: يُبعَدُ الصائم عن النار مسيرة  سبعين عاما , ففي الحديث ( ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله ،الا باعد الله في ذلك اليوم وجهه عن النار، سبعين خريفاً ) متفق عليه, وصيام رمضان وقيامه: مغفرة للذنوب، وتكفيرها ففي الحديث ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه.

وفي رمضان: ليلة القدر , وهي كنز من كنوز هذا الشهر , العبادة فيها تعدل عبادة الف شهر  , والعشر الأول من رمضان، رحمة من الله , والأوسط منه، مغفرة , والأخيرة عتق من النيران .وفي رمضان: تضييق لمسالك الشيطان . وفي رمضان: تفتح أبواب الجنان , وتغلق أبواب النيران , وتغل مردة الشياطين وينادى، هل من مستغفر؟ , هل من تائب ؟ هل من داع ؟ هل من سائل ؟ وكل يعطى ما يسأل وفي هذا الشهر كنوز لاتحصى، فعلى المسلم، أن يحرص على هذا الشهر على الصيام والقيام , وصلاة التراويح.وعلى حفظ الجوارح , وعلى قراءة القرآن , وكان السلف يضاعفون في قراءة القرآن في رمضان

فعلى المسلم أن يعلم أن الوقت ثمين وغال، يجب الحفاظ عليه , فلا يضيّع في اللهو واللعب , ولا سيّما في رمضان فلا يضيّع في النهار في كثرة النوم , وقضاء الاوقات في الأسواق , وفي الليل بعد صلاة التراويح في لعب الورق، أو القمار، أو الدخينة, او أمام الأفلام التي تسرق الأخلاق، في الفضائيات , او الانترنيت في المواقع التي تسمّم الفكر  والعقل ،وتذهب المروءة فالزمن كالمال , كلاهما له قيمة، في حسن إنفاقه وحسن استعماله , فمن أنفق المال في غير وجهه فهو مسرف , وكذا من أنفق وقته في غير سعادته , وإسعاد غيره فهو مسرف هالك , والوقت كالذهب إن لم تحرص عليه والا ذهب ,والوقت هو التبر الثمين، ويا للأسف استقبلناه غير مكترثين  , فعلى المسلم أن يوقظ نفسه بالأعمال , وهو أحوج أن يوقظها بالأقوال , والعمل قرين لا يستطاع فراقه , فمن استطاع  أن يكون قرينه صالحاً  فليعمل، فإنه لا يصحبه  بعد ارتحاله من هذه الدنيا إلا عمله...

 

وآخر دعوانا ان الحمدلله رب العالمين......

                                       

الدكتور

احمد خضير عباس

واعظ فى دائرة الشؤون الاسلامية والعمل الخيري.. دبي