آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    التزكية والأخلاق   أدب الدين والدنيا
أدب المجالس



مرات القراءة:13202    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

أدب المجالس

إعداد الشيخ عبد الله نجيب سالم

مقدمة:

يلتقي الناس بعضهم ببعض في المجالس، إما طلباً للراحة والأنس، وإما رغبة في التشاور والتباحث، وإما تداولاً للأخبار ومعرفة الحوادث، وإما استعداداً لطعام في مناسبة، وإنما تجمعاً لمشاركة في عزاء، وإما لغير هذا وذاك من الأهداف والمقاصد.

وهذه المجالس قد تكون في دور معدة لذلك سلفاً، أو في بيت أحد الناس حيث يسكن مع أسرته، أو في مكان عام، أو ساحة أو حديقة أو نحوها.

ولما كان من الضروري جداً أن يكون ثمة ضوابط لتنظيم مجالس الناس، فإن الإسلام بنظرته الدينية الواسعة وآدابه الأخلاقية والإجتماعية الجامعة، وضع للناس إرشادات واضحة وحدوداً صريحة يلتزمون بها في مجالسهم، وذلك لتحقق المجالس أفضل النتائج، ولتكون على أجمل صورة، ولتتنزه عن أي نقص.

أولاً: الاستئذان قبل الدخول:

على كل من يريد حضور مجلس ما أن يراعي آداب الدخول، خاصة إذا كان المجلس مقصوراً على قوم معينين، أو في مكان خاص، كأن كان دار أحد الأخوان، أو مضيفه، أو أي مكان خاص.

فعلى من يريد الحضور الحرص على الاستئذان حتى لا يكون متطفلاً على المجلس وأهله، فإن أذنوا له دخل وإلا ترك المجلس وانصرف.

لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}النور27

وقوله { وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا}النور28


ثانياً: أين تجلس بعد الدخول؟!

فإذا دخل الرجل بعد إلقاء التحية، فإن كان للمجلس ترتيب سابق، ونسَق محدد، جلس حيث رغب صاحب المجلس، أو حيث يقتضي النظام.

وإن لم يكن الأمر كذلك، فإن عليه أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، أي ليس له الحق في أن يترك المكان الخالي ليزاحم الجالسين في أماكنهم.

فإن طلب منه صاحب المجلس الانتقال من الخلف إلى الأمام أو من جهة إلى جهة فعليه الاستجابة لطلبه، فقد يكون ذلك لستر عورة في البيت، أو لتصدير عالم، أو الاستفادة من كلمة متحدث ونحو ذلك.

وقد عود النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الجلوس دون تخطي الرقاب أو قصد صدر المجلس.

قال جابر بن سمرة رضي الله عنه: "كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي" أي ينتهي به المجلس‎.  رواه أبوداود والترمذي وقال حسن

ثالثاً: لا يجلس وسط الحلقة:

وإن كان الجلوس متحلقين على شكل دائرة وسطها فارغ، فإنه لا يجوز لأحد أن يأخذ وسطها.

إما لأن ذلك يعتبر جلوساً شاذاً ويؤذي المتحلقين.

أو لأن العادة ألا يجلس وسط الحلقة إلا سيد المجلس أو أمير الجالسين.

وقد ورد النهي عن ذلك، فقد روي عن أبي مجلز أن رجلاً قعد وسطط حلْقة، فقال حذيفة: "ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، أو لعن الله (شك الراوي) على لسان محمد صلى الله عليه وسلم من جلس وسط الحلقة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

رابعاً: احترام السابق والتفسح للاحق:

ليس لأحد جلس في مكانه أن يقام منه لأجل غيره، وكذلك ليس لمن دخل أن يقيم غيره ليقعد مكانه، وذلك احتراماً لمن سبق، وليضمن الاحترام في المجلس لمن لَحِق.

فإن كان المجلس ضيقاً فالسنة أن يتفسح أهل المجلس جميعاً. والتفسح هو أن ينقبض كل جالس ويلتصق بالذي يليه لإفساح المجال لأكبر عدد ممكن.

 والأصل فيه قوله سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) المجادلة 11

وما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا متفق عليه

من آداب المجلس:

ويلحق بهذا الأدب أمور:

أولها: أن لا يطيل من في المجلس بأكثرمن المعتاد، ليفسح المكان لغيره، كما لو كان الضيوف يأتون أرسالاً جماعات جماعات، وذلك في مثل التعزية وعيادة المريض والزيارات في العيد ونحوها، بل يفسح لغيره بالانصراف بعد انتهاء القصد من المجلس ...

فإذا ما صرح صاحب المجلس بذلك أو لمح، كأن رأى ضيق المكان فنادى بني عمه أو جيرانه أو السابقين في الحضور ليفسحوا لغيرهم فمن الأدب أن يفعلوا.

قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا}المجادلة 11

وثانيها: أن من قام من مجلسه لحاجة طارئة، كالإجابة على هاتف، أو دخول حمام ونحو ذلك، فليس لأحد الجلوس مكانه، بل هو أولى وأحق بمجلسه.

روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به".

وهذا يدل على اختصاص الجالس بمكانه إلى نهاية المجلس، أو إلى أن يتركه خارجاً منه.

وثالث تلك الأمور: أن من خرج عن آداب المجلس، كأن آذى الحضور بريحه أوبكلامه أو بخروجه على العرف والاحترام لأصحاب المجلس، أو مجاهرته بما يسوءهم فأخرجوه لم يكونوا آثمين.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من أكل ثوماً من المسجد.

كما أخرج من سأل فيه الناس.

وأخرج الإمام مالك من سأل عن الاستواء على العرش ومثل هذا كثير...

ورابعها: أنه إذا قام أحد الحضور من تلقاء نفسه لداخل آخر فأكرمه بمجلسه لعلمه أو لفضله أو لقرابته أو لجاهه فذلك جائز، بل مستحسن بين الناس كافة، مؤكد بالنسبة للعلماء الذين إكرامهم واجب على المسلمين، ويشهد لذلك أن علياً رضي الله عنه جاء مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو مليء، فلم يجد فرجة يجلس فيها، فوقف والنبي صلى الله عليه وسلم يلاحظ، ذلك ويود لو أن أحدهم أفسح له أو أعطاه مكانه، فلم ينتبه لذلك إلا الصديق أبو بكر رضي الله عنه فقال لعلي: ها هنا يا أبا الحسن وأفسح له بجواره، فبرقت أسارير النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنما يعرف الفضل من الناس أهله.

لا يجلس بين اثنين إلا بإذنهما:

هناك أدبان لطيفان للمجالس متقابلان، فقد نهى الإسلام أن يجلس الرجل بين اثنين متجاورين يتناجيان ليس بينهما فرجة لآخر، لما في ذلك من التطفل عليهما وإيذائهما.

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما" (7).

وهذا يشمل مجالس السماجد والدواوين والاستراحات ونحوها.

لا يتناجى اثنان دون ثالث:

وفي مقابل هذا الأدب فقد جاء النهي النبوي عن أن يلجأ اثنان في مجلس فيه ثالث إلى النجوى سراً، فإن في ذلك إشعاراً بقطيعة الثالث أو إهماله، أو ربما وسوس إليه الشيطان أنهما يتكلمان عليه أو ينالان منه.

عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه متفق عليه

ومثل هذا التناجي المنهي عنه أن يتحدث اثنان بلغة يفهمانها وثمة ثالث لا يعرفها.

فإذا استأذناه في التناجي لأمر يخصهما فأذن زال النهي.

ذكر الله في المجالس نور:

ومن آداب المجلس في الإسلام أن لا يخلو من ذكر الله سبحانه، كالتسبيح أو التهليل أو التحميد أو الاستغفار.

وإن كان المجلس لأمر دنيوي كأن كان يبحث أمراً اقتصادياً أو سياسياً أو حسابياً أو نحو ذلك فليفتتح بشيء من ذكر الله، وليختم كذلك بمثله حتى لايستحوذ عليه الشيطان.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم ترة (أي نقص وتبعة) فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" رواه الترمذي وقال حسن

كفارة المجلس:

ومن هذا الأدب النبوي الرفيع ما كان يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يختموا مجالسهم به، مما يسمى كفارة المجلس.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك"

ومن الأدب الجميل أن يدعو المرء آخر المجلس بدعاء صادق يشمله ويشمل أهل المجلس.

فقد روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهذه الدعوات: " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا"

ومن هنا استحب الناس حضور العالم لمجلسهم ليدعو لهم وهم يؤمنون، فكثير من طوائف الناس لا يعرفون ذلك.

سابعاً: مجالسة الأخيار والصالحين:

ولا بد من التنبيه إلى أن من صفات المسلم وأخلاقه في ارتياد المجالس أن يهتم بمجالسة الصالحين والعلماء وضعفاء المسلمين.

أما كبراء القوم ووجهاء الدنيا وأرباب الأموال والسلطان فمجالستهم مصالح دنيوية لا غير، وهي أقرب إلى المضرة في الدين، وقليل فيها السلامة من الغفلة والطمع والمباهاة وغير ذلك.

وتحس خلالها ـ ولا شك ـ بالظلمة في القلب وتحس بعدها ـ ولا شك ـ بالضعف في الإيمان.

وذلك على العكس من مجالس الصلحاء الأخيار الأبرار أهل الجنة، الذي تنهض بك أحوالهم وتدلك على الله أقوالهم.

قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)

وقال صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسلك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة"

وقال أيضا: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف

ثامناً: أسرار المجالس:

المجالس بالأمانات، فعلى من حضر مجلساً أن يحفظ أسراره ولا ينقل أخباره، وإلا كان ذلك غيبة أو نميمة...

وإن من آداب المجلس إذا أراد أهله أن يقولوا كلمة أن يأمنوا غائلة من حضر معهم في مجلسهم، حتى تكون المجالس تتمتع بالراحة النفسية التي يحس بها حضارها روادها... ومن هنا كان حفظ أسرار المجالس ـ إن كان لها أسرار ـ ضرباً من المروءة، وشعبة الفضلية، ومسلكاً من مسالك  الإيمان.