آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   التاريخ الإسلامي والمناقب
القُصّاص وأثرهم في التاريخ الإسلامي



مرات القراءة:1947    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

القُصّاص وأثرهم في التاريخ الإسلامي

بقلم الشيخ : نور العلي


هذه ظاهرة لها جذورها في التاريخ ما إن تنتهي حتى تظهرمن جديد بأساليب مختلفة متلائمة مع كل عصر وكل آونة حيث هناك الكثير من يحب الظهور وليس عنده مقوماته فيعتمد على ظاهرة القصص حيث لا تحتاج إلى كثير عناء وجهد وبحث و وتدقيق فيسلك هذا المسلك ويدخل هذا المدخل مستغلا عاطفة الناس فيرويها بأسلوب شيق وعرض جيد .وفي هذا المقال نسلط الضوءعلى هذه الظاهرة في كثير من العصور وما موقف أهل العلم منها وأهم ما يترب عليها

القصص ومدلولها اللغوي والاصطلاحي

قال ابن منظور:القص البيان.والقصص بالفتح :الاسم.والقاص:الذي يأتي بالقصة على وجهها.وقيل: القاص يقص القصص لإتباعه خبرا بعد خبروسوقه الكلام سوقا.لقوله تعالى (فارتدا على آثارهما قصصا)الكهف64 أي متتبعين الأثر.فيكون المعنى المقصود للقاص:إتيانه بالقصص فيرويها متتبعا لمعانيهاوألفاظها(1).وبناء على المعنى اللغوي لمعنى القاص جاء معناه في الإصلاح حيث عرفه ابن الأثير في النهاية لغريب الحديث:بأن القاص هوا لذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها(2)

القصّاص إبّان البعثة النبوية

لعل من أهم القصاص في هذه المرحلة هو النضر بن الحارث بن كلدة القرشي الذي كان يعرف بطبيب العرب. قال ابن هشام في سيرته:ان النضر بن الحارث كان من اشد المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه وزيادة على ذلك فقد كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا يدعو فيد إلى توحيد الله ونبذ الأوثان ويتلو فيه القرآن ويحذر قريشا مما أصاب الأمم السابقة كان النضر يخلف رسول الله في مجلسه إذا قام ويحدثهم عن رستم واسفنديار وملوك الفرس ثم يقول والله ما محمد بأحسن حديثا مني وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها فانزل الله تعالى(وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما)الفرقان5،6(3)

لقد كان هذا الرد الإلهي حاسما على قصص النضر وما يقوله للقرشيين لما فيها من تأثير سلبي عليهم حيث كانوا يستملحون حديثه ويتركون الاستماع للقرآن.

القصاص في عهد الصحابة

فيما يتعلق بهذا العهد الذهبي عهد الصحابة نستطيع القول بأن القصاص لا وجود لهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر وأول من قام بهذا الأمر هو الصحابي الجليل تميم الداري رضي الله عنه ونلك في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.فقد أخرج أحمد في المسند بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد قال:لم يقص على عهد رسول الله و لا أبي بكر وعمر حتى كان أول من قص تميم الداري واستأذن عمر فأذن له فقص قائما.(4)
وهذا العهد كان منضبطا بالكتاب والسنة وكان أهله عدولا بتعديل الله لهم لا يصدر منهم إلا ما كان موافقا لله ولرسوله

القُصّاص في عهد التابعين

أما ما يتعلق بعهد التابعين فإن هذه الظاهرة انتشرت كثيرا بين أوساطهم حتى كان يسمى لكل مدينة قاصا يعرف بها .

وممن اشتهر بهذا الأمر عبيد بن عمير بن قتادة وهو أول من قص بعد تميم الداري وكان يعرف بقاص أهل مكة.لقد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وله رؤية. ترجم له المزي في تهذيب الكمال وقال:سمع من كبار أصحاب النبي ومنهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر وكان ابن عمر يحضر مجالسه ويستمع إليه ويبكي من مواعظه.وفال ابن حبان في الثقات:كان قاص أهل مكة وهو من كبار التابعين وكان بليغا فصيحا وكان ابن عمر يجلس إليه ويقول:لله دره ماذا يأتي به.(5)

وممن اشتهر بالقصص أيضا( ثابت بن أسلم البُناني)فقد ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال:ولد في خلافة معاوية رضي الله عنه وحدث عن كثير من الصحابة كابن عمر وابن الزبير وانس بن مالك وكان من أئمة العلم والعمل وكان من تابعي أهل البصرة وزهادهم ومحدثيهم كتب عنه الأئمة وحدثوا عنه .قال احمد بن حنبل رحمه الله:كان ثابت البناني يقص وقد تثبت بالحديث وكان قتادة يقص وكان محدثا .وقال حماد بن سلمة كنت اسمع أن القصاص لا يحفظون الحديث فكنت أقلب الأحاديث على ثابت أشوهها عليه فيجيء بها على الاستواء.(6)

وممن اشتهر بالقصص وكان له الباع الكبير في ذلك(كعب الأحبار)فقد ترجم له الذهبي في أعلام نبلائه فقال:كان يهوديا فاسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة من اليمن في عهد عمر وجالس أصحاب النبي وحدثهم عن الإسرائيليات ويأخذ عنهم السنن وكان حسن الإسلام من نبلاء العلماء وروى عنه أبو هريرة وابن عباس ومعاوية وذلك من قبيل رواية الصحابي عن التابعي وهو قليل وكان خبيرا بكتب اليهود له ذوق في معرفة تصحيحها من سقيمها بالجملة وكان يغزو مع الصحابة وكان عمر يحضر مجلسه ويستمع إلى قصصه.(7)

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد حسن من طريق محمد بن عمرو الليثي حدثه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال جلسنا إلى كعب الأحبار في المسجد وهو يحدث فجاء عمر فجلس في ناحية قوم وقال ويحك يا كعب خوفنا فقال والذي نفسي بيده إن النار لتقرب يوم القيامة لها زفير وشهيق حتى إذا أدنيت زفرت زفرة ما خلق الله من نبي ولا صديق ولا شهيد إلاجثى على ركبتيه حتى يقول كل نبي وصديق وشهيد اللهم لا أكلفك اليوم إلا نفسي ولو كان لك ياابن الخطاب عمل سبعين نبيا لظننت أن لا تنجو قال عمر والله إن الأمر لشديد.(8)

القُصّاص في عهد أتباع التابعين ومن بعدهم

في هذه المرحلة تطورت هذه الظاهرة وأصبح أهلها يتجرؤون على الكذب ليس على الناس بل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعوا الأحاديث نيلا للمنافع الدنيوية كالتقرب من الأمراء والاستجداء من العوام إلا ما قل منهم. ولذلك يقول ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: إن من شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجبا خارجا عن فطر العقول أو كان حديثه رقيقا يحزن القلوب فإذا ذكر الجنة قال فيها الحور العين من مسك أو زعفران إلى أن قال وكلما كان من هذا أكثر كان العجب أكثر والقعود عنده أطول والأيدي بالعطاء إليه أسرع .(9)

لقد ابتليت الأمة بمثل هؤلاء في هذه العصور الذين أفسدوا على الناس حديثهم وحياتهم وكانوا متجرئين كذبا لا يبالون ما يقال عنهم. وقصة ذاك القاص في مسجد الرصافة حيث كان يحدث عن أحمد وابن معين بحديث لاأصل له فقال له ابن معين من حدثك بهذا فزعم (احمد بن حنبل ويحيى بن معين) فقال ابن معين نحن لم نحدث بهذا الحديث فقال القاص بكل استهزاء لقد سمعت أن ابن معين أحمق حتى تحققت الساعة. لقد حدثت عن سبعة عشر احمد وابن معين وقام كالمستهزئ بهما.تدلل كم كان هؤلاء سببا في فساد المجتمع ولذلك تصدى لهم العلماء الأجلاء من هذه الأمة ووقفوا منهم موقفا حازما وحاسما يحذرون الناس منهم وقد ألّف السيوطي كتابا سماه( تحذير الخواص من أحاديث القُصّاص ) وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية صنف كتابه( أحاديث القُصّاص) يبين فيه الأحاديث التي وضعها القصاص)

تأصيل هذه الظاهرة وموقف أهل العلم منها

إن ظاهرة القصاص لم تكن في عهد رسول الله ولا أبي بكر وأول قاص هو تميم الداري بإذن من عمر .ولا يعني هذا أنها مستحدثة. بل لها أصل شرعي فقد أخرج أحمد بإسناد حسن عن عوف بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)(10) وهذا الحديث له شواهد يرتقي بها. وبناء عليه نقول إن القصص والقصاص لها أصل شرعي وان إذن عمر لتميم كان مستمدا من هذا المسند الشرعي ولكن الأمر منضبط بضوابط شرعية .

أولا :لا يقوم بهذا الأمر إلا أمير أو حاكم أو ولي الأمر .
ثانيا:لا يقوم بهذا الأمر إلا من كان له إذن من ولي الأمر أو من ينوب عنه في الشؤون الدينية. ويؤيد هذا ما أخرجه الطبراني عن عوف بن مالك انه أتى على كعب الأحبار وهو يقص فقال سمعت رسول الله يقول لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال قال فامسك كعب عن القص حتى أمره معاوية رضي الله عنه(11)

موقف الصحابة من القصاص

من خلال دراسة هذه الظاهرة يتبين أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا غير معارضين حيث هناك أصل شرعي ما دام القصاص ملتزمين بالضوابط الشرعية وبالمنهج الصحيح. بل كان بعض الصحابة يجلس إليهم ويستمع إلى مواعظهم كجلوس عمر إلى كعب وابن عمر إلى عبيد بن عمير.لكنهم كانوا موجهين لهم ناصحين.وفي هذا البند نذكر بعض التوجيهات والنصائح لهؤلاء القصاص من قبل بعض الصحابة.


توجيهات الصحابة للقصاص

أولا:أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح عن الشعبي قال قالت عائشة لابن أبي السائب قاص مكة:اجتنب السجع في الدعاء فاني عهدت رسول الله وأصحابه وهم لا يفعلون ذلك.(12)

ثانيا:ذكر ابن سعد في الطبقات أن عبيد بن عمير وعطاء دخلا على عائشة فقالت من هذا فقال: أنا عبيد بن عمير. قالت: قاص مكة؟ قال نعم قالت خفّف فان الذكر ثقيل(13)

ثالثا:أخرج عبد الرزاق في المصنف أن عبيد بن عميرقالت له عائشة رضي الله عنها:أما بلغني أنك تجلس للناس ويجلسون إليك ؟قال نعم. قالت :فإياك وتقنيط الناس وإهلاكهم .(14)

هذا فيما يتعلق بالقصاص الملتزمين وكان عندهم تخويل بهذا الأمر .أما إذا كانوا غير ملتزمين بالمنهج السوي فللصحابة موقف آخر.

فقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن ابن عمر وقد جاء قاص فجلس في مجلسه فقال ابن عمر قم من مجلسنا فأبى أن يقوم فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرط أقم القاص فبعث إليه فأقامه .(15)

وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يخرج من المسجد فيلقاه الرجل فيقول ما شأنك فيقول أخرجني القاص .(16)

وعلى هذا المنهج مشى أهل العلم مع القصاص في كل الأزمنة .فإذا كان هذا القاص من أهل العلم والمعرفة واليقين وكان مفوضا فلا مانع من حضوره والاستماع إليه .أما إذا كان على عكس ذلك فلا يجوز الاستماع إليه. ولذلك كان ابن المسيب لا يحضر مجالسهم ويسمعهم يقرؤون السجدة فلا يسجد كما أخرج عبد الرزاق بسند صحيح .(17)

وأخرج مسلم في المقدمة:عن حماد بن زيد قال حدثنا عاصم قال كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة فكان يقول لنا(لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص)(18)

وفي خاتمة المطاف
لا بد من الإشارة إلى أن القصاص قد ظهروا في عصرنا بمظهر آخر وقد ملؤوا القنوات يفتون في كل شيء ويصححون ويضعّفون ويخوضون في مسائل خلافية. الناس في غنى عن السماع لها حتى تناقضت الآراء واختلفت الأقوال وأصبح الناس في حيرة من أمرهم. نسأل الله العفو والعافية .
وكان بودي أن أُؤخر طرح هذا الموضوع لكنني لما رأيت قد طرح جانب منه من قبل الفاضل " أبي عمار " في تلبيس إبليس ومشاركة المتفائلة جزاهما الله خيرا فأحببت المشاركة به حتى تتم الفائدة .


المراجع والمصادر

(1
) لسان العرب 3/102
(2)
النهاية في غريب الحديث 4/113
(3)
سيرة ابن هشام 1/383
(4)
مسند احمد 2/449رقم15753
(5)
تهذيب الكمال 19/223رقم3730
(6)
سير أعلام النبلاء 5/220رقم91
(7)
سير أعلام النبلاء 2/489رقم111
(8)
مصنف ابن أبي شيبة 13/155
(9)
تأويل مختلف الحديث 1/86
(10)
مسند أحمد 6/27رقم24040
(11)
المعجم الكبير 18/ 76 رقم 140
(12)
المصنف لابن أبي شيبة 7/22رقم3
(13)
الطبقات 5/462
(14)
مصنف عبد الرزاق2/220رقم5403
(15)
مصنف ابن أبي شيبة 6/197رقم6
(16)
مصنف عبد الرزاق2/219رقم5401
(17)
مصنف عبد الرزاق2/219رقم5401
(18)
صحيح مسلم 1/66رقم58