آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    رجال عبروا فيها   مجموعة من العلماء العاملين في الدار
لقاء مع فضيلة الشيخ محمود العبيد القادري الحسني



مرات القراءة:7953    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

فضيلة الشيخ محمود العبيد القادري الحسني

 

الاسم : محمود العبيد القادري الحسني

المولد والنشأة : حلب – قرية الذهبية – 1947م

انتسبت إلى الكلتاوية عام 1964م

كان من شيوخي فيها :

الشيخ محمد أديب حسون رحمه الله

الشيخ عبد الرحمن الحوت رحمه الله

الشيخ بشير  حداد رحمه الله

الشيخ نزار لبنية رحمه الله

الشيخ محمد لطفي رحمه الله

الشيخ نذير حامد حفظه الله

الشيخ صالح بشير حفظه الله

الشيخ محمود فجال حفظه الله

الشيخ علاء الدين علايا حفظه الله

الأستاذ حسان فرفوطي رحمه الله

الأستاذ مروان باقي حفظه الله

الأستاذ رجب الهيب حفظه الله

 ثم انتسبت إلى المدرسة الشعبانية عام 1969م

ومن شيوخي فيها :

الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله

الشيخ محمد الغشيم رحمه الله

الشيخ بكري رجب رحمه الله

الشيخ زهير الناصر حفظه الله

الشيخ محمد العوامة حفظه الله

الشيخ سامي بصمجي رحمه الله

الشيخ عبد الرحمن زين العابدين رحمه الله تعالى

ثم انتسبت إلى الفتح الإسلامي عام 1971م  أقدم اختبارات فيه فقط كان من شيوخي فيه الشيخ صالح فرفور رحمه الله تعالى والشيخ عبد الرزاق والشيخ عبد اللطيف فرفور وغيرهم

ثم انتسبت إلى جامعة الأزهر الشريف _ كلية اللغة العربية _ عام 1974م

الأعمال والوظائف :

1-       مدرس ومراقب في المدرسة الكلتاوية في فترتين : الأولى كانت في حياة السيد النبهان رضي الله عنه بأمر منه بأن كلفني بالتدريس والمراقبة وفي هذه الفترة درست الشيخ محمود الزين وعبد القادر الزين والشيخ محمود الحوت والشيخ ابراهيم منصور وغيرهم

2-       الفترة الثانية بعد وفاة السيد قدس سره وذلك بوعد منه أيضاً سألته بعد تسريحي من الجيش أن قرية عران بجنوب الباب يريدونني إماماً وخطيباً والمدرسة تريدني مدرساً ومراقباً فقال لي : إذا المدرسة طلبتك اترك كل شيء وتعال إليها لأن خدمة طلاب العلم عندي أفضل من كل شيء ، ويومها لم تكن المدرسة بحاجة لي فذهبت إلى قرية عران وبعد سنتين احتاجت المدرسة لي وأرسلوا إلي فتركت قرية عران فوراً والتحقت بالمدرسة وقمت بالتدريس والمراقبة

3-                       إمام وخطيب في قرية عران لمدة سنتين

4-                       خطيب في مدينة أبي ظهور لمدة سنتين

5-                       إمام وخطيب ومدرس في مدينة اعزاز لمدة سبع سنوات

6-       إمام وخطيب ومدرس اللغة العربية والتربية الإسلامية ومدرس حلقات التحفيظ للقرآن الكريم في المملكة العربية السعودية لمدة ست وعشرين سنة ولا أزال حتى الآن

لي أبحاث مهمة : منها بحث حاز على درع المنارات في المملكة السعودية وكان الأول على جميع البحوث في مدارس المنارات وكان عنوانه : نشأة الطفل من الولادة حتى سن المراهقة

والثاني : نال إعجاب كثير من الأستاذة في مدارس المنارات الشرقية وعنوانه : نقد التربية المعاصرة من منظور إسلامي

وغير ذلك من المذكرات التربوية الهامة

 

التعرف على السيد النبهان متى وكيف تم ذلك ؟

 

كان ذلك سنة 1962م

 

أما كيف تم ذلك : فلقد كنت في القرية فلاحاً ممتازاً لاأعرف غير الزراعة ورعاية الأغنام ، وكان عمري مايقارب 15 عاماً وأنا لاأعرف العدّ من الواحد إلى العشرة ، ولم أدخل في أية مدرسة ولاكتاتيب المشايخ ، ولاأعرف حرف الألف من العصا ، ولكنني كنت محافظاً على الصلاة ، ولاأحفظ غير سورة الفاتحة ، تعلمتها من خالتي زوجة أبي وكان عمري سبع سنوات

ولقد رأيت رؤيا أنني أحتضن نور حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قصصت هذه الرؤيا على الشيخ ياسين الويسي إمام وخطيب الجامع الكبير في أبي ظهور فقال الشيخ ياسين لي : إنك ستطلب العلم الشرعي .

ومن هنا بدأت أفكر بالتعليم وشعرت بمرارة الجهل ، ولكن كيف بمثلي أن يتعلم العلم الشرعي ، وكان من شروط دخول المدارس الشرعية أن يكون الطالب قد أنهى المرحلة الابتدائية ، وأنا قد بلغت من العمر 15 سنة ، وليس عندي مال لأن حالتنا صعبة جداً ، وليس لدي معلم يعلمني ، فصرت أبحث عن طريق موصلة إلى تعلم العلم الشرعي ولكن بدون جدوى ، وحاولت مراراً أن أتلمس الدخول إلى المعاهد الشرعية وأخيراً : أفادني بعض الإخوة أنه يمكن الدخول إلى المعاهد الشرعية عن طريق التعلم الحر عند بعض الكتاتيب في القرية حتى يصير مستواي في الصف الرابع أو الخامس وعندها أدخل الصف التحضيري وبعد ذلك الصف الأول الشرعي

ولكن !! كيف أوفق بين الدراسة وبين عمل الفلاحة لأن والدي كبير السن ، ولا يستطيع الفلاحة وعندنا أرض واسعة  ، وأخيراً توصلت لحل مرضٍ للوالد ولرغبتي في التعلم فأقوم بالفلاحة عند عدم وجود المطر وإذا جاء المطر في الشتاء أتفرغ للعلم ونجحت الخطة فلم يمض فصل الشتاء إلا وكنت قارئاً للقرآن مع التجويد والتشكيل ، وكان لي ابن عم يدرس في الصف السادس الابتدائي يعلمني العدّ من الواحد إلى المائة والجمع والطرح والضرب وأتقنت ذلك كله في عام واحد ، ولكنني ضعيف جداً في الإملاء والكتابة والقراءة وبدأت تعلم الكتابة بدون ورقة ولاقلم على الأرض مع أحد أبناء عمي وعند المساء يقوم بتصحيح الأخطاء ابن العم الذي يدرس في المدرسة في الصف السادس الابتدائي وبعد عام واحد تعلمت ذلك كله

وسمعت أن مدرسة الشعبانية في حلب بدأ التسجيل فيها وهي إحدى المدارس الشرعية ، وأنا لاأعرف حلب ولاهذه المدرسة ولاأحداً في مدينة حلب ولكن أسمع عن الشيخ محمد النبهان أنه في جامع الكلتاوية وإخوان الشيخ يذهبون إليه ويرجعون ، فذهبت معهم مساء في القطار ونمت في المسجد وفي الصباح دخلت على الشيخ محمد النبهان رحمه الله تعالى ( وهذا أول لقاء لي معه ) فقلت له : أريد أن أطلب العلم ، فرفع يديه إلى السماء وقال : اللهم علمنا العلم النافع . وأرسلني إلى مدرسة الشعبانية وأوصى بي وصاية خاصة لدى لجنة القبول ولكن اللجنة عندما سألتني وجدتني لاأصلح حتى للصف التحضيري وأخبرت السيد الكريم بذلك ، ولما رجعت إليه قال لي : أخبرتني اللجنة أنك لاتصلح لدخول المدرسة حتى ولا الصف التحضيري ولكن عليك بالمتابعة مع مشايخ الكتاتيب للسنة القادمة لعلك تقبل في الصف التحضيري على أقل تقدير

وبدأت أعد نفسي للدخول في أحد المعاهد الشرعية ، وبعد عام شاعت الأخبار أن السيد محمد النبهان سيفتتح مدرسة شرعية خاصة بأبناء الريف وأبناء العشائر ، ومن هنا شعرت بالفرح ، وأن هذه المدرسة كأنها فتحت لي لأنها مناسبة لي ولظروفي كافة وخاصة شرط القبول الصف السادس أو مايعادل الصف السادس .

وبدأ التسجيل بعد مضي شهرين من الدراسة وكان من أعضاء لجنة القبول ابن عمي يوسف العلاوي من قرية طويل الحليب فأبلغته رغبتي بالدخول في هذه المدرسة النبهانية التي كنت أحلم بها ، ووعدني خيراً ولكن خاب أملي ورجائي عندما بلغت من ابن عمي يوسف العلاوي أن السيد الكريم لم يقبلني لأن عمري كبير .

وهنا أظلمت الدنيا بعيني ، وضاقت بي الأرض بمارحبت ، ورجعت إلى قريتي باكياً ، وبقيت طيلة الليل باكياً ومفكراً ماذا أعمل ؟

وفي الصباح ذهبت لصلاة الجمعة في مدينة أبي الظهور عند الشيخ ياسين فرآني ابن الشيخ ياسين بعد صلاة الجمعة وقال لي : لماذا لم تذهب إلى الكلتاوية لأن الطلاب ذهبوا إليها منذ ثلاثة أيام ؟ فقلت له إن السيد الكريم لم يقبلني حسب ماأخبرني بذلك ابن عمي يوسف العلاوي فقال لي : والله إني رأيت طلاباً مثل سنك قد قبلهم الشيخ

اذهب بنفسك ولاتسمع لأحد فشجعني وبالفعل ذهبت إلى مدينة حلب ، وقابلت السيد الكريم ( وهذه المرة الثانية ) ألتقي بالسيد الكريم فسألني عن اسمي وعن عشيرتي وقريتي . فلما أجبته قال لي نحن قبلنا من كل عشيرة ثلاثة وعشيرتك أصبح عددهم أكثر من خمسة ، وأنت أيضاً أكبر التلاميذ سناً لأن عمري آنذاك قارب 17 سنة فقلت له ياسيدي : ماذا يصنع هؤلاء الخمسة من طلبة العلم لعشيرة البوشهاب الدين والله عشرون من طلاب العلم لايهدونهم ، فضحك الشيخ الكريم وقال لي : والله لاأنا ولاأنت نهديهم إذا ماهداهم الله تعالى ، ادخل أنت مقبول عندنا

وهنا كانت فرحتي عظيمة ملأت أرجاء الأرض وشعرت بسعادة غامرة

وبدأت الدراسة ولكني  وجدت عقبات كبيرة تواجهني منها الرياضيات وخاصة الكسور العشرية والعادية وهذه لم أعرف شيئاً عنها وقواعد اللغة العربية ( النحو ) وغير ذلك . وكان أقل طالب في الابتدائية عنده علم بها

وأخيراً قررت الإدارة فصلي من المدرسة لهذه الأسباب ووصل الخبر إلى السيد الكريم فاستدعى المدير وبعض الأساتذة وقال لهم أريد أن أسألكم عن وجهة محمود العبيد ورغبته في التعلم فأجابوا السيد عن وجهتي لطلب العلم أنها وجهة لاتوجد عند جميع الطلاب وجهة قوية جداً جداً فقال لهم السيد الكريم : إنه سينجح بإذن الله تعالى ويفوق أقرانه ، أنظروه حتى الاختبار النصفي فإن نجح فإنه سيبقى في المدرسة وإن رسب عندها نفصله من المدرسة .

لما سمعت الخبر بدأت أضع خطة للدراسة على حسب المواد الدراسية لكل مادة صعبة علي أن أجعل لها ساعتين من التحضير والمادة السهلة ساعة أو نصف ساعة وقسمت وقتي على الشكل التالي :

1-       بعد صلاة العصر أذاكر المواد الصعبة إلى قبيل المغرب بنصف ساعة ثم راحة إلى صلاة المغرب

2-                       بين المغرب والعشاء لمواد الحفظ والتلخيص ثم راحة 10 دقائق

3-       بعد صلاة العشاء تحضير بقية المواد إلى قبيل النوم بساعة . ثم النوم إلى قبيل الفجر بساعة فأحضر المواد التي لم أنته من إعدادها

4-                       بعد صلاة الفجر أحضر الدروس جميعها استعداداً لليوم الدراسي

وعندما بقي للاختبار النصفي شهران ذهب السيد الكريم إلى الحج مع مجموعة من الإخوان ، وذهب معه أكثر الأساتذة وخاصة أستاذ الرياضيات والعربي ولما حان الاختبار أخذت الدرجة الثالثة بتوفيق الله تعالى على جميع الطلاب الذين كان عددهم حوالي ثلاثين طالباً تقريباً ، ولما حضر أستاذ الرياضيات وجدني في مقدمة الصف مع الثلاثة الأوائل فسألني : لماذا أنت متقدم ؟ فقلت له بكل ثقة هذا حسب ترتيبي الدراسي يا أستاذ ، فقال : أنت أخذت الدرجة الثالثة ؟ قلت : نعم

قال : وكم أخذت في مادة الرياضيات ؟؟ قلت 18/20 فتعجب كثيراً فاختبرني في عدة أسئلة فحللتها له بسرعة فائقة وهو يقول متعجباً : أنت محمود العبيد لاأصدق ، بشهرين وصلت إلى هذا المستوى هذه معجزة .

وحصل لي موقف آخر مع أستاذ النحو مثل أستاذ الرياضيات واختبرني في الإعراب فأجبته إجابة صحيحة

وكانت الدراسة متواصلة سنة كاملة ليس فيها عطلة أبداً ماعدا العيدين إلى مدة أربع سنوات ، وبهذه المدة أنهينا جميع مناهج الست سنوات ، وكنت محافظاً على الدرجة الثالثة إلى سنة التخرج والحمد لله رب العالمين

وصحبت السيد الكريم في هذه السنوات الأربع صحبة ملازمة يجلس معنا ويحدثنا ونحدثه ونأكل معه أحياناً ، وإذا كان جالساً في مذاكرة مع عامة الإخوان يرسل إلينا وعندما نقبل إليه يستقبلنا بالترحيب ويبش في وجوهنا ويقول لنا : مرحباً بطلاب العلم ، أنا خادم طلاب العلم ، وعندما نريد الجلوس على الأرض لا يرضى لنا ذلك ويأمر إخواننا أن يذهبوا إلى المسجد ويأتوا بسجادة أو أكثر ويقول : اجلسوا عليها ونكون أمامه مباشرة ، ومرة دعانا للغداء معه في غرفة الضيافة فقال لنا : ( وأنا أسمع منه هذا الحديث الذي لا أنساه أبداً مدى الحياة )  يا أولادي والله إن الله أنعم عليكم بنعمة لم يحصل عليها الذين سبقوكم ولا الذين يأتون من بعدكم و والله ولا أنا حصلت على نعمة مثل هذه النعمة التي  أكرمتم بها ، تطلبون العلم الشرعي الصحيح وفي بيت من بيوت الله ومع عارف بالله وتأكلون المال الحلال ، هذه والله نعمة لم يسبقكم بها أحد أبداً ، اشكروا الله على هذه النعمة ) هذا كلام السيد كما سمعته

وكان لنا مجلس خاص لطلاب العلم نكتب الأسئلة ونعطيها لمدير المدرسة بدون ذكر أسماء والسيد الكريم يتولى الإجابة عنها وأحياناً نسأله مشافهة ويجيبنا ونسجل ذلك .

نماذج من الأسئلة والإجابة عنها :

س1: إن حب الدنيا مذموم ؟

ج: وكذلك حب الآخرة ولايليق الحب إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمرجع

س2: ماهو حب الدنيا وماعلامته ؟

ج: هو أن تفرح إذا أقبلت عليك الدنيا وتحزن إذا أدبرت عنك ، مثل إذا خسرت في تجارة فإنك تحزن وإذا ربحت تفرح

س3: من أين يأتي :

ج: من وسخ الإنسان

س4: ما الوسيلة المنقذة منه :

ج: الحب للمرجع والجلوس بين أيدي العارفين

س5: الكبر داء مذموم ؟

ج: نعم ولكني آمر النساء بالكبر والعجب حتى لايقربهن أحد

س6: ماعلامته ؟ ج : أن ترى نفسك أحسن من غيرك

س7: ماهو سببه ؟ ج : وسخ الإنسان

س8: كيف يزال ؟ ج : بالحب للمرجع

س9 : إني واقف بين أمرين ولاأعرف إلى أيهما أعطي وجهتي (( العلم أو السلوك )) وفيما أزعم أنه لايمكن الجمع بينهما بالنسبة لي وأنا خالياً من الإثنين أرى نفسي لاشيء فالعلم كلما أرتقي إلى صف أقول لعلي في هذا الصف أكون أحسن مما قبله فما أرى نفسي إلا قد ازددت جهلاً ، والسلوك كذلك كلما أريد أن أسير إلى الأمام تأتيني الخواطر فأرجع إلى الوراء

ج: أما بالنسبة للعلم والسلوك فليس عندنا سلوك وعلم فكلاهما واحد ، العلم هو السلوك وبالعكس ، ثم تكلم رضي الله عنه عن رؤيته لربه في المنام فقال : رأيت ربي في المنام في ليلة مقمرة فقال لي : يامحمد إني أحبك ودليل ذلك أن علمتك العلم ، وأما ازدياد الجهل في الترقي من صف إلى صف فهذا شيء حسن

س10: كثيراً مانسمع من جنابكم أن كل واحد منكم يأخذ عني بحسب استعداده وأنا أجد استعدادي صفراً فماالفائدة من صحبتكم ؟

ج: نعم أنا أقول كل واحد يأخذ مني على حسب استعداده الآن فقط ولكن هذا الاستعداد يزداد يوماً بعد يوم مثل فصول الدراسة ، هل استعدادك في الصف الثاني أو الثالث مثل استعدادك في الصف الأول ؟ قطعاً لا ، وصحبتك لي تترقى فيها حتى أكملك .

س11: مالطريق الذي نسلكه حتى نرى الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وهل نستطيع مشاهدته ؟

ج: يابني لايستطيع كل أحد أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عظيم جداً ، ولايراه إلا أصحاب الهمم العالية والنفوس الزكية .

هنا قص علينا رؤيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة شيخه أبي النصر ، قال رحمه الله تعالى : كنت مريداً عند الشيخ أبي النصر ، ومرة في حلقة الذكر وقبل موعد الشاي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علينا ، وظننت أن جميع الحاضرين رأوه فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل لشيخك أبي النصر الشاي أو الذكر ثم خرج صلى الله عليه وسلم ، فقلت للشيخ سراً يقول لك الرسول صلى الله عليه وسلم الشاي أو الذكر , ولما قدم له الشاي قال الشيخ أبو النصر : ارجعوا الشاي ولم يشرب الشاي مع الذكر أبداً من بعد ذلك . فلما سألت بعض زملائي عن هذه الرؤية لم يخبرني أحد منهم أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم فعلمت أن هذه خصوصية لي ،

هذه بعض الأسئلة التي كنا نسأل السيد الكريم عنها ، وكان رحمه الله تعالى يجيب عنها ، وكان من حرصه على طلاب العلم لا يرضى لنا أن نسأل غيره في سلوكنا وعقيدتنا مهما بلغت منزلة ذلك الشيخ أو الأستاذ ، فقلت له مرة وكيف نسألك عن سيرنا وسلوكنا وعندك كثير من الناس ؟ فقال لي : تعال إلي في أي وقت إذا وجدت مشكلة في سيرك وسلوكك وعقيدتك ،

وحصل لي موقف لا أنساه أبداً ما حييت .

رأيت رؤيا في أمر كنت أشك في كيفية صدقه ، لأن عقلي لا يستوعب ذلك حسب فهمي آنذاك ، وعندي بعض الأسئلة السلوكية ، وأنا كلما أريد أن أدخل على السيد الكريم أجد عنده أناساً كثيرين ، وجئت مرة وأنا لا أعرف من عنده من الناس فطرقت الباب بلطف جداً ففتح لي الباب ، ورأيت مجلس السيد الكريم مليئاً بكبار الشخصيات من علماء ومهندسين ومسؤولين وغير ذلك من الناس ، فلما رآني قال لي بقوة ماذا تريد ؟ قلت وأنا خائف : أريد سؤالاً يا سيدي ، فما رأيت منه إلا أن قال لجميع الحضور : قوموا خارج الغرفة فقام الجميع وأنا خجل أتصبب عرقاً من هذا المنظر كيف فعلت ذلك بهؤلاء الناس ؟!!

وأدخلني الغرفة وأغلق الباب والنوافذ وجلس معي على الأرض وقال لي : قل لي يا ولدي ماذا تريد فقصصت عليه الرؤيا التي كنت أشك في كيفية صدق الأمر الذي رأيته فأجابني أن رؤيتي حق وأنها صادقة كما رأيتها وقال لي اترك الشك عنك .... وسألته بعض الأسئلة التي تتعلق بالسلوك فأجابني عنها ثم خرجت ونادى بالناس أن ادخلوا .

·      وكانت صحبتي للسيد الكريم من سنة 1964م حتى وفاته 1974م

ومما سمعته منه :

قال رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى (( ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة )) التهلكة ليست كما يفهممها الناس أنها المخاطرة بالمخاطر إنما التهلكة أن تترك ماأمرك الله تعالى به هذه هي التهلكة الحقيقية أما التهلكة بالمخاطر فيمكن أن ينجو منها الإنسان

2- قال رضي الله عنه : أصحابي ثلاثة :

منهم من لايعمل مخالفة وهذا هو الأعلى

منهم من يعمل مخالفة ولكنه يتوب منها فهذا صويحب

منهم من يعمل مخالفة ويعرف أنها مخالفة ولكن لايتوب وهذا أقلهم وسيأتيه يوم يتوب فيه

3- وقال : اليقين ثلاثة : علم اليقين – عين اليقين – حق اليقين وضرب لذلك مثلاً فقال : إذا رأينا دخاناً من بعيد علمنا علم اليقين أن هناك ناراً ، أما إذا قربنا من الدخان وشاهدنا النار فعلمنا علماً يسمى عين اليقين ، أما إذا وضعنا أيدينا في النار علمنا علماً يسمى حق اليقين

4- وقال عن علماء الفضاء عندما تحدث الناس بذلك وهل وصلوا إلى القمر أم لا ؟ فقال : العلم الآن هو جنين في الرحم لم يتحرك ولكن سيأتي يوم يحدث أكثر من ذلك وتلا قوله تعالى : (( سنريهم آياتنا في الآفاق ))

5- وقال في تفسير آية ( فإنك بأعيننا ) المخلوقات كلها عين والرسول صلى الله عليه وسلم هو البؤبؤ

6- وقال مرة في أحد دروسه ( وكنت من الذين حضروا دروس العوام وطلاب العلم والعلماء والحمد لله) : العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

1- علم الكتاب : وهذا العلم يشترك معك كل الناس وربما تفوق عليك أحدهم حتى لو كان فاسقاً إذا كان أذكى منك

2- علم تقوى : وهذا مخصوص بالأتقياء فقط لايشاركهم به أحد

3- علم اللدن : وهو العلم اللدني كما علمه الله تعالى إلى سيدنا الخضر عليه السلام وهذا مخصوص بالنزهاء أو الكبار

ومرة كنا بحضرته مع كبار العلماء وكان الشيخ مشغولاً بالدرس والمجلس ساكن كأن على رؤوسهم الطير فقال أحد العلماء الكبار : (( اللـــــــه)) ومدها طويلاً فقال الشيخ رضي الله عنه : ماهذه الغفلة ؟؟ فسكت الجميع ثم قال : ياأحبابي إذا أردتم أن تذكروا الله تعالى فاذكروه وأنتم بكامل اليقظة

وغير ذلك من الحقائق التي لايتسع المكان لذكرها  

الأثر الذي تركه فيّ رحمه الله تعالى :  لاأستطيع أن أصفه لإنني عاجز عن الوصف لأنه فوق الوصف ، ولكني أقول لكم بصدق : والله ما فارقني السيد لحظة واحدة في حياتي ، وكأنه معي أبداً ، وكثيراً ماأراه في المنام يقدم لي بعض المعلومات الخاصة والعامة ( لاداعي لذكرها فالظرف لايناسب )

أما مواقفه فشهيرة وكثيرة : أذكر منها موقفين :

الأول : أحدث أحد المجرمين فتنة لو استمرت لأحرقت الأخضر واليابس ، ولكن بلطف الله تعالى ثم بموقف السيد الشجاع وأهل الحكمة في ذلك الوقت اندحرت وماتت في مهدها إلى الأبد

ذكر المدعو * إبراهيم خلاص* في مجلة جيش الشعب مقالة مفادها : إن الله والأديان دمى محنطة في التاريخ

فقام الشيخ الكريم كالأسد الهصور وأبلغ مدير المدرسة بأن يبلغ جميع خطباء حلب ودخل عليهم السيد الكريم وقال لهم : لابد من أن تكون الخطبة غداً عن مقالة المجرم إبراهيم خلاص والذي لايريد أن يتكلم بهذا الموضوع فهو حر ويترك خطبة الجمعة وسأرسل طالباً من طلاب المدرسة للقيام عنه في الخطبة ، ثم قال لمدير المدرسة : سجل اسم كل واحد لايريد أن يتكلم بهذا الموضوع فاعتذر الجميع إلا قليلاً منهم يعدون على رؤوس الأصابع ، وشعرت الدولة بخطر هذه الفتنة وألقت القبض على هذا المجرم ، وأودعته السجن ، وجاء وفد من كبار المسؤولين إلى السيد الكريم وأبلغوه بماعملوا بهذا المجرم الذي يريد الفتنة بين الأمة ومسؤوليهم فقبل السيد منهم هذا العرض ولكنه قال لهم : لابد إلا أن يبلغ ذلك للشعب فقال أحد المسؤولين : كيف يتم ذلك ؟ ولمَ تحدث فتنة إذا علم الشعب بهذا الكلام الخطير ؟ فأجاب السيد الكريم : أنا أكفل أنه لاتراق قطرة دم أبداً ولكن بشرط ألا تتدخلوا في الموضوع أو أن توقفوا أحداً من الخطباء أو العلماء فوافق المسؤولون على ذلك . وأعدت الخطبة بموضوع واحد ليس فيه هجوم أو عنف وبيان بماقامت به الدولة من عمل تشكر عليه ، وكنت أنذاك في الصف الثالث الشرعي وأرسلت إلى أحد المساجد في حلب لخطبة الجمعة بدل ممن اعتذر من الخطباء ، وانتهت الفتنة والحمد لله رب العالمين بدون عنف أو فوضى والتزمت الدولة بوعدها ولم تحدث أية عملية اعتقال لأحد من الخطباء أو العلماء وكانت هذه الحادثة عام 1967مً

الموقف الثاني :

في عام 1973م لماقامت الحرب بين الجيوش العربية وإسرائيل أعلن السيد الكريم بعد صلاة الجمعة النفير العام وأمر المصلين ألا يخرجوا من الجامع وبقي الناس في الجامع حتى صلاة العصر وهو يريد الذهاب إلى الجبهة واجتمع ببعض العلماء للنظر في الأمر وما هو العمل وتم النصر ورجعت القنيطرة وبعض الأراضي المغتصبة من أيدي الصهاينة ، وحصل وقف لإطلاق النار (وهناك أمور خاصة في هذه الحادثة لم تذكر)

وهذا يدل على اهتمام الشيخ رحمه الله تعالى بقضايا الأمة جميعاً وكان وقافاً مع الحق أينما كان لاتأخذه في الله لومة لائم.

أما سبب انجذابي إلى شخصية السيد النبهان قدس سره :

ففي البداية لم أعرف عنه شيئاً حيث كنت في القرية منعزلاً لاأعرف مكانة العلماء ولكني أسمع أحاديث الناس عن رجل فاضل جاء بمنهج مخالف لجميع تقاليد القرية والعشائر وخاصة التقاليد المتبعة في الأعراس وغيرها من اختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك من العادات السيئة

أما بعد مخالطتي له فإنني وجدت فيه كثيراً من الصفات الطيبة التي توافق أصحاب الفطر السليمة مثل : الكرم – الشجاعة – والعفة والنزاهة والعدل وغير ذلك وعلى ذلك كله محبته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

كان رضي الله عنه يقول : ((أدب ياهو )) وكان يقول : أنا لاأفعل خلاف الأولى – أنا ظل لرسول الله صلى الله عليه وسلم

الشريعة لي مثل السمكة في الماء متى خرجت ماتت وأنا كذلك ، وأعطى كل ذلك عملياً في حياته ، مرة دخل عليه ولده الأكبر أحمد وقال له : ياوالدي إن مياه السيحة داهمت قرية التويم ادع الله تعالى أن يرفع عنها هجمة المياه فقال لولده أحمد : اخرج من هنا أنا أقول لربي افعل كذا ؟!! أو اترك كذا !! كيف أطلب من  العليم العلام ومن أحكم الحاكمين ذلك !! أمرني بالزراعة فزرعت ولكن لاأطلب منه حسن النتاج أو عدمه لأن الأمر يعود إليه سبحانه ( وهذه منزلة عالية في التوكل على الله ) وقرية التويم هي المزرعة الكبيرة للشيخ رحمه الله .

وكان يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماملأ قلبي وعقلي إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعلى أثر هذه المواقف بدأ انجذابي إلى السيد النبهان يتسع يوماً فيوماً كلما اطلعت على جوانب من صفات السيد الحميدة والأخلاق الفاضلة ، وأنا لاأستطيع الانفكاك عن شخصية السيد أبداً .

كرامات السيد النبهان رضي الله عنه :

حياة السيد كلها كرامات وسمعت من ذلك الكثير ولكن السيد رحمه الله تعالى كان لايعوّل على الكرامة مثل الاستقامة والاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم وكان يقول : الاستقامة عين الكرامة

وأذكر شيئاً مما حصل معي :

1- سألته مرة عن تسمية ابنتي الأولى فقال لي : البنت الأولى فاطمة والولد الأول : محمد ولم يأت محمد إلا بعد وفاة الشيخ رحمه الله تعالى بأربع سنوات ، وقد تحدث بعض الناس أن زوجتي لاتنجب إلا البنات هذا بزعمهم ولكن الله على كل شيء قدير وكنت واثقاً من بشارة السيد بذلك .

2- ومرة حصلت لي مشكلة مع أولاد عمي أثناء خطبتي لزوجتي ( أم محمد ) وهددت بالقتل من أولاد عمي إذا أنا تقدمت لها وخرجت من القرية مع أخي محمد عقلة والشيخ صالح بشير خائفاً لاأدري ماذا أفعل ؟؟ وعرضت أمري على السيد فقال لي : لاتخف ، كل الأمور انتهت ، ( وهذا الإخبار بنفس اليوم الذي جئت به إلى الكلتاوية ) اذهب إلى القرية فوراً فذهبت إلى القرية في اليوم التالي فوجدت كل شيء قد انتهى ، وقد عقد لي عقد الزواج على زوجتي أم محمد لأنني قبل مغادرتي كنت قد وكلت أحد أقربائي بعقد قراني على أم محمد

3- ومرة ثالثة : عندما آخى السيد النبهان بين الطلاب أخوين أخوين وآخى بيني وبين ثلاثة من الإخوة الطلاب ولم أعرف لماذا كان هذا الإخاء ؟ وبعد وفاة السيد رحمه الله تعالى بست سنوات تقريباً توفي الأخ الأول محمد العقلة رحمه الله ودفن في البقيع وبقي الأخ الثاني محمد حسن حمو وهو الآن في مكة المكرمة وهذه كرامة واضحة من السيد الكريم رحمه الله تعالى

 

ماذا تعني لي الكلتاوية ؟؟

 

الكلتاوية هي نبض حياتي ، وهي رئتي التي أتنفس بها ، هي عندي كالمدينة المنورة ( على ساكنها أفضل الصلاة والسلام  ) لأنني عندما كنت فيها مع السيد ومشايخي و زملائي كنت أشعر كأننا في عصر الصحابة رضي الله عنهم ، حب وإخاء وتسابق إلى مكارم الأخلاق والتخلق بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقد آخى السيد رحمه الله تعالى فيما بيننا أخوين أخوين وكان كل واحد من الأخوين يحاسب أخاه على كل صغيرة وكبيرة ويستشيره في كل أمر يريد فعله .

ولازالت الكلتاوية تمثل لنا المنار الذي يهتدي به السائرون إلى جادة الحق والصواب ، ورمزاً للذكريات السعيدة التي عشناها .

اللقاء الأخير بالسيد النبهان :

أما اللقاء الأخير بالسيد النبهان فكان في قرية الصعيبية – جنوب حلب – قبل وفاة السيد بشهر أو شهرين تقريباً ، وكانت ليلة سعيدة عامرة بالفرح والسرور وخاصة قبيل صلاة الفجر ونحن نصلي التهجد مع السيد الكريم وهو يضمنا إليه ويدعو لنا وشعرنا كأنه يودعنا ، وأن أيامه قربت ، وأنه سيرحل عنا ، وخاصة عندما رأيت في تلك الليلة رؤية تشير إلى هذا الرحيل المرتقب ( رأيت في المنام أن السيد جالس والأخ محمد العقلة عن يمينه والشيخ محمد الصندل عن شماله وجمع كبير من الناس يأتون إلى السيد قدس سره والشيخ محمد الصندل والأخ محمد العقلة يكتبان أسماء الناس على أوراق كل ورقة فيها اسم الشخص المتقدم وتعلق هذه الورقة بثوب السيد من قبل الأخ محمد العقلة والشيخ محمد الصندل وقدمت أنا لأنظر ورقتي هل علّقت بثوب السيد أم لا ؟ فرآني السيد الكريم وقال لي عمّ تبحث ؟ قلت : أبحث عن ورقتي واسمي فقال لي أنت في قلبي يامحمود ، ففرحت فرحاً عظيماً ، وتراجعت إلى الوراء وأنا أقول للسيد رضيت رضيت ياسيدي  ثم قام السيد يريد السفر إلى مدينة حلب وقدمت له السيارة فركب وسار ثم ركبنا بعده وسرنا وراءه ثم استيقظت من منامي هذا ، ولم أحدث أحداً بهذه الرؤيا إلا بعد وفاة السيد الكريم رحمه الله تعالى ،

وفي الصباح قدمت للسيد السيارة فركب فيها ، ثم ركبنا سيارة أخرى وسرنا وراءه مثلما رأيت ذلك في المنام تماماً ثم ودعته في مدينة حلب وذهبت إلى قرية عران إلى زوجتي التي تركتها وحدها في هذه القرية

وقبل وفاة السيد الكريم رحمه الله تعالى بيوم زارني أخوان كريمان من إخواني : الشيخ صالح بشير والشيخ محمد حسن حمو في قرية عران حنوب الباب وباتا عندي وفي الصباح وقبل طلوع الشمس أراد الأخوان الذهاب إلى حلب ، وطلبت منها أن يذهبا معي إلى زيارة الشيخ حسين مجدمي في قرية عيشة وهذا الشيخ يشهد له السيد الكريم بالولاية ، وكان محباً للسيد كثيراً ، وأكرمني غاية الإكرام لما جئت إلى قرية عران ورأيت منه كرامات كثيرة ، فلم يوافق الشيخ صالح في أول الأمر ، وقال عندي مراقبة في المدرسة وأريد أن أطمئن على صحة السيد لأنني تركته مريضاً في المستشفى وأخبرني بعض الإخوان أن صحته جيدة . فقلت له نذهب إلى الشيخ حسين نصف ساعة فقط ثم نرجع ونتناول طعام الإفطار ثم نذهب جميعاً إلى حلب للاطمئنان على صحة السيد الكريم .

فوافق الأخوان وذهبنا إلى الشيخ حسين مع طلوع الشمس ووجدناه جالساً حزيناً فاستقبلنا بوجه عابس وليس ذلك من عادته وخاصة عندما أزوره ثم قال لولده الشيخ عبد اللطيف : صب الشاي وأعط كل واحد كعكة (ونقرأ الفاتحة لنوح واللي بدو يروح يروح ) هذه عبارته وزاد عجبنا من ذلك لأنه كريم وكل من يريد زيارته لايتركه حتى يفطر ويتناول الغداء أو العشاء معه ، وبعدما شربنا الشاي وقف على باب الغرفة وقال لنا : ماذا قلنا ؟؟ فخرجنا من عنده وودعنا ولما وصلنا قرية عران لم يدخل الشيخ صالح بشير والشيخ محمد بيتي وأرادا الذهاب بسرعة إلى حلب تنفيذاً لأمر الشيخ حسين فقلت لهما : على رسلكما حتى ألبس ثيابي فقالا لي : الحق بنا بعد وذهبا ، ثم رجعت إلى البيت وتناولت طعام الإفطار وبدأت بالاستعداد للذهاب إلى مدينة حلب فسمعت الباب يطرق فرأيت جارنا الأستاذ زكريا فقال لي : عظّم الله أجركم بوفاة الشيخ محمد النبهان ، إن المدرسة اتصلوا بمدينة الباب وأخبروا جماعة من أهل الباب بإخبار كل إخوان الشيخ بوفاته والحضور إلى دفنه ، فأسرعت بالذهاب إلى مدينة حلب ، وكان يوماً مشهوداً حضره خلق كثير وجمع غفير  من علماء ومسؤولين وغيرهم ، وتوارى جسده الطاهر وهكذا انتهت حياة رجل عارف بالله ماعرف طعم الراحة أبداً ، ظل مجاهداً ومعلماً وناصحاً ومربياً ومرشداً طيلة حياته ، ووالله ماعرفنا منه إلا الصدق والوفاء والإخلاص والحب المتدفق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فجزاه الله عنا خير الجزاء .

ورجعت بعد ذلك إلى قرية عران ، وفي اليوم التالي ذهبت إلى الشيخ حسين المجدمي فاستقبلني بالبكاء وقال لي جاءني الخبر وعرفت أنكم لاتعلمون بوفاة السيد ، ويومها لم يكن هناك أية وسيلة للاتصال في القرية ، وقال لي كان السيد طالباً لكم فمعذرة عن التقصير معكم

أما الكلمة الأخيرة التي أريد أن أقدمها للإخوة في موقع أحباب الكلتاوية هي مايلي :

1- حذار من الغلو والتنطع في الدين وعليكم بالالتزام بالاعتدال لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ماخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثماً

2- حذار من التعصب للشيخ والمذهب لأن السيد رحمه الله تعالى كان لايحب التعصب أبداً . وكان يقول : الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها . وقال مرة لأحد الإخوان عندما سأله عن حكم فيه سنة للرسول صلى الله عليه وسلم في الحج وقد خالفه الكثيرون قال له السيد رحمه الله تعالى أينما وجدت السنة فخذها ولاتبال بأحد

3- حذار من التكفير للأمة لأدنى شبهة ، فهذا منزلق خطير ضل فيه الكثيرون وادعوا الأمة بالحكمة والموعظة الحسنة

4- عليكم بدعوة الإصلاح من قاعدة الهرم لا من رأسه وهذه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان السيد رحمه الله تعالى مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله من قاعدة الهرم وليس من رأسه ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول )    

وأخيراً وليس آخر تقبلوا منا فائق الشكر والتقدير

 

أخوكم / محمود العبيد القادري الحسني

1430هـــ