آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   الحج وأحكامه
آداب الحج في القرآن الكريم



مرات القراءة:3601    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

آداب الحج في القرآن الكريم

بقلم الدكتور محمد حسن قسام

واعظ بدائرة الشؤون الإسلامية و العمل الخيري بدبي.

 

الحمد لله الذي أكرمنا بأن جعل لنا من مواسم الخير ما هو ميدان فسيح لإقبالنا عليه، و وعدنا إن تعرضنا له في هذه المواسم النورانية أن يمنحنا عفوه ورضاه و رحمته، فله الحمد على مَنِّه و عطائه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، أما بعد:

فإنه مما لا يخفى على المسلم أن الله أوجب عليه الحج بقوله سبحانه في كتابه العزيز: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) [آل عمران 97].

و أوجب الحج والعمرة أيضاً في قوله تعالى: (و أتموا الحج و العمرة لله ) [البقرة 196].

و وجوب الحج مما علم من الدين بالضرورة، فلن أقف عند ذلك، إنما أريد أن أقف عند آداب الحج التي لا ينال فضل الحج و لا تكسب منفعته الروحية و القلبية إلا من خلال التمسك بها، فهي الخلال و الآداب الكفيلة بجعل الحج حجاً بالقلب إلى الله قبل أن يكون حجاً بالجسد إلى البيت و الأماكن المقدسة، وهي الخلال التي تجعل الحاج من أهل شهود المنافع التي جعلها الله غاية الحج فقال: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ) [ الحج 27 -28 ].

ومما ينبغي التنبه إليه أن المنافع المذكورة في الآية ليست محصورة في المنافع الدنيوية، و كيف تحصر فيها و قد وردت مجموعة منكرة؟! فجمعها يفيد تعددها، و تنكيرها يفيد عمومها، فبناء على الجمع تكون المنافع متعددة، و بناء على التنكير تكون المنافع عامة، فجمع "منافع" وتنكيرها دلا على أنها منافع متعددة و عامة، وهذا يعني أنها أكثر من أن تكون منافع دنيوية، فهي أيضاً منافع روحية؛ لأن الحج أعمال تقرب العبد من ربه، و هذا غذاء الروح، وهي أيضاً منافع أخروية؛ لأن الحج امتثال لأمر الله فيما تعبدنا به، وهي أيضاً منافع نفسية؛ لأن الحج ترويض للنفس على أعمال تشق عليها، وهي أيضاً منافع جسدية؛ لأن الحج رياضة للبدن ودربة له على النشاط و الحركة، و لعلي لا أبالغ إن قلت: إن منافع الحج أكثر من ذلك بكثير، فما من شك أن هذا ما أدركناه من منافع الحج بفهمنا القاصر، و يبقى وراء ذلك منافع كبرى لا يعلم بها إلا الله، إلا أن تلك المنافع لا تتحقق إلا بالالتزام بآداب أرشدنا إليها القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة، وسأكتفي هنا بالوقوف عند الآيات التي تشير إلى تلك الآداب، و أتأمل فيها محللاً ومستنبطاً ما فيها من إيماءات؛ فإن الآيات التي تناولت الحج وما يتعلق به تشتمل على كثير من الآداب التي دلت عليها الآيات أحياناً بمنطوقها، وأحياناً أخرى بمفهومها، و أحياناً أخرى بالإشارة و الإيماء، وهذه الآداب هي:

– إخلاص النية في الحج و العمرة.

و الآية التي تشير إلى هذا هي قوله تعالى: (و أتموا الحج و العمرة لله ) [البقرة 196].

فإن الآية تطالب بأن يكون الحج و العمرة تامين لله، و هذا يعني أنه لا بد من أن يكون القصد بالحج وجه الله تعالى و أن تكون الغاية رضاه، و أن لا يقصد بذلك مراءاة الناس، أو الكسب الدنيوي، أو أي غرض غير طلب مرضاة الله و رجاء عفوه، و لا شك أن هذا الأدب من الأهمية بمكان، يدل على ذلك كونه أول أمر تعرضت له الآيات بعد طلب الإتيان بالحج و العمرة تامين، ويدل على تلك الأهمية أيضاً صيغة الطلب التي وردت في آل عمران بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) [آل عمران 97].

فلقد وردت هنا صيغة الطلب و الإلزام مغايرة لما عهد من صيغ الطلب المعروفة الواردة في غير الحج ، ففي الصلاة جاء الطلب و الوجوب بصيغة الأمر بقوله: " أقيموا الصلاة" وفي الصوم جاء الوجوب بصيغة الإخبار عن ثبوته و كتابته، فقال تعالى: " كتب عليكم الصيام"[ البقرة 183].

و في الزكاة ورد الوجوب بصيغة الأمر للمؤمنين بقوله: " آتوا الزكاة " و بأمر النبي صلى الله عليه و على آله و سلم أن يأخذ منهم الصدقة بقوله: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم "[ التوبة 103] أما طلب الحج في آل عمران فقد جاء بقوله: " لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً " و في مجيء الطلب بهذه الصيغة عدة إشارات:

منها أن حرف الاستعلاء الذي أفاد الوجوب والإلزام  دل مع ذلك على الفوقية و القهر و الغلبة، و لعل الغرض من مجيء الوجوب عن طريق حرف الاستعلاء المفيد كل هذه المعاني هو الإشارة إلى أنه بما أن الله القاهر و الغالب لعباده فقد ألزمهم بحج بيت ما كانوا ليحجوا إليه لولا قهره لهم. ومن تلك الإشارات تقديم القصد من الحج على الإلزام به، فقبل أن يوجبه بالاستعلاء بين أنه لا بد من كونه لله، و هذا يشير إلى أن القصد من الحج مقدم على الفعل له، و أنه لا بد من تقديم النية على الامتثال.

و نلاحظ أن في إيجاب الحج على الناس عموماً ثم تخصيصه عن طريق البدل بالمستطيع تعظيماً و تهويلاً لأمر الحج؛ لأن هذا الأسلوب يوهم السامع ابتداء بوجوب الحج على كل الناس، و هذا تهويل و تعظيم لأمر الحج، ثم يأتي بيان أنه على المستطيع لتحديد مناط الوجوب، و للإشارة إلى عظيم رحمته تعالى بإيجابه الحج على المستطيع فقط حتى لا يشق على الناس.

و هكذا نرى أن هذه الصيغة أيضاً كأختها التي في البقرة تشير إلى أهمية القصد في الحج، فلا بد من كونه لله تعالى، و لعل ذكر هذا مرتين في كلا الصيغتين اللتين وردتا في إيجاب الحج للإشارة إلى أهمية هذا الأدب، ومن هنا فإننا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحج الذي يُرجِع الحاج كيوم ولدته أمه مقيداً بهذا الأدب الرفيع، و هو أن يكون لله، فقال صلى الله عليه و سلم: ( من حج لله فلم يرفث و لم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) [ رواه البخاري وأحمد في مسنده  والنسائي وابن ماجة ] فلقد قيد الحج الذي يغسل ذنوب الحاج بقوله:" لله " فهو قيد صريح بأنه لا ينتفع من حجه إلا من حسن قصده فكان حجه لله تعالى.

- الحرص على الإتيان بالحج و العمرة تامين:

و هذا ما يرشد إليه قوله تعالى: (و أتموا الحج و العمرة لله ) [البقرة 196].

فهنا نلاحظ أنه سبحانه وتعالى لم يأمر عباده بفعل الحج و العمرة و لا بالقيام بهما، إنما ورد الأمر بفعلهما تامتين، و هذا يشير إلى أن من آداب الحج أن يسعى الحاج جاهداً إلى أن يأتي بأفعال الحج و العمرة على الوجه الكامل، لا أن يأتي بالأفعال ناقصة، و كون الإتمام بحد ذاته مطلوباً والنص على إتمام الحج يشعر بأهميته، ويشير إلى مشقته التي قد تدفع البعض للإتيان به ناقصاً أو على أي وجه كان، فكان لا بد من التأكيد على فعله تاماً.

– ترك الرفث و الفسوق و الجدال.

و هذا ما ذكره الله تعالى بقوله: ( فمن فرض فيهن الحج فلا رفث و لافسوق و لاجدال في الحج ) [البقرة 197].

يشد أنظارنا في هذه الآية مجيء النهي فيها عن الرفث و الفسوق و الجدال بأسلوب عجيب، حيث لم تأت العبارة بصيغة النهي، فلم يقل ربنا: فلا يرفث و لا يفسق و لا يجادل، ، إنما قال: فلا رفث و لا فسوق و لا جدال، فجاء النهي عن هذه الخصال الثلاثة بالنفي باللام النافية للجنس، و هذا أبلغ أشكال النهي، و أقواها، فهو ليس نهياً فحسب، إنما هو بيان بأن هذه الخصال الثلاثة مما ينبغي أن لا تكون موجودة أصلاً، بل ينبغي أن تنعدم، و أن لا تقوم لها قائمة، و هذا أمر معلوم، فحين يأتي النهي بصيغة النفي يكون أبلغ في النهي عنه، فإذا كان النفي بلام الجنس كان أشد و أقوى؛ لأنه نهي يطالب فيه بأن لا يكون لهذه الأمور وجود، و الحق أن في هذا التعبير إشارة بديعة، فربنا لم ينه عن هذه الخلال الثلاثة فقط، إنما أشار بأنها مما ينبغي بأن عدم وجودها أصلاً، و كأنه يقول لنا: إن هذا الموطن ليس جواً مهيأً لأن توجد فيه هذه الخصال، فلا المكان مكانها و المحل محلها، و الحاج ينبغي أن يكون مشغولاً بالله عن هذه الخصال الثلاثة، فينبغي محق أصل وجودها حتى لا يبقى لها أي أثر.

و لدى التأمل في هذه الآية يتبين لنا أن ربنا إذ ينهانا عن هذه الأمور فإنه بنفس الوقت يطالبنا بالأمور التي تمنع من الوقوع فيها, أو بعبارة أخرى نقول: النهي عن هذه الأمور يقتضي الأمر بأضداها، فالنهي عن الرفث هو أمر بحفظ اللسان، والنهي عن الفسوق هو أمر بحفظ الأفعال، والنهي عن الجدال هو أمر بحفظ العقل أو القلب، فاللسان ينبغي أن ينشغل بذكر الله، و أن يحفظ عما يشغله عن مبدعه و خالقه، و من هنا جاء النهي عن الرفث، فلا شطط في اللسان، و أما الأفعال فينبغي أن تكون في حدود أفعال الخير و البر و الإحسان التي تليق بما تلبس به الحاج، و من هنا نهى عن الفسوق، فلا شطط في الأفعال،و أما العقل أو القلب فينبغي أن يشغل بالله و بالتفكر في آياته، و أن يحجب عنه ما يشغله عن ذلك، و هو الجدال؛ لأنه يستهلك نورانية العقل أو القلب في غير فائدة، فالآية إذن تنهي عن شطط اللسان في الحج، و عن شطط الأفعال، وعن شطط العقل أو القلب.   

– الإكثار من فعل الخير في الحج.

و هذا ما أشار إليه قوله تعالى: ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) [البقرة 197].

فلقد جاء الحث على فعل الخير وسط الحديث عن آداب الحج إشارة أن هذا الأمر من آداب الحج، فالحاج ينبغي أن ينشغل بفعل الخير؛ لأنه الفعل الذي يتناسب مع ما هو فيه من أماكن مقدسة و ساعات تجل إلهي، و لأن فعل الخير مفتاح لتلك التجليات و المعاني العظيمة حتى تنفذ إلى قلبه، و لا يغيب عن ذهننا أن الله عز وجل أرشدنا إلى أن المؤمن ينبغي عليه أن يتطهر بفعل الخير و الصدقات حين يقبل على مواطن التجلي، و من هنا فإنه أمر في بادئ الأمر كل من يناجي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقدم بين يدي نجواه صدقة، فقال: ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) [ المجادلة 12] و ذلك كي يناجي المؤمن رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم وهو طاهر نقي، فينتفع قلبه و تغنم روحه من تلك المناجاة، و كذلك هنا أمره بفعل الخير حتى يتطهر قلبه من الأدران و الأمراض و يصبح مستعداً لأن تهبط فيه التجليات الإلهية، و نلاحظ أن الحث على فعل الخير في الحج جاء بأسلوب الشرط، و ذلك أبلغ في الحث؛ لأن الشرط يفيد الإلهاب و التهييج بما فيه من ربط الجزاء بالشرط، و لقد ربط الشرط هنا بجزاء عظيم؛ فلقد ربط بعلم الله و كون الله يعلم الإنسان يفعل الخير أمر مسلم فيه، ولذا فالمراد هنا أنه لا يمكن أن يعلم الله عبده يفعل الخير إلا و سيكافئه عليه أوفى المكافأة، ونلاحظ أيضاً أن الشرط جاء بـ "ما" التي تفيد العموم؛ ليشير بذلك إلى أن المطلوب كل أعمال الخير، أو عموم أفعال الخير، أو كل ما يصدق عليه أنه عمل صالح.

- إعداد الحاج الزاد من مال يكفيه في حجه.

يقول الله تعالى: (و تزودوا فإن خير الزاد التقوى و اتقون يا أولي الألباب) [البقرة 197].

و لعل بعضنا يتساءل ما علاقة إعداد الزاد الكافي بآداب الحج؟ و هل يجني الحاج بذلك نفعاً أخروياً أو روحياً؟

نقول: أجل، فإن إعداد الزاد الكافي أمر ذو صلة بالنفع الروحي و القلبي، و ذلك؛ لأن الحاج حين يجد ما يكفيه من زاد في حجه لا ينشغل قلبه عن الله في البحث عن الزاد أو القوت أو المال، فالمحتاج قد تشغله حاجته عن الله و عن الخشوع و عن الإقبال على الله، أو قد تدفعه إلى سؤال الناس، و هذا مما يشوش عليه صفاءه و نقاء قلبه، كيف لا و الإسلام نهى عن سؤال الناس، فسؤال الناس أمر لا يرضاه الله و لا رسوله، و هو بالتالي يبعد السائل عن أن يكون في رحمة الله، فكيف ينال رحمة الله و تجلياته من تلبس فيما لا يرضاه؟!

– التقوى و التوبة قبل الحج.

يقول الله تعالى: (و تزودوا فإن خير الزاد التقوى و اتقون يا أولي الألباب) [البقرة 197].

و إنما أريد أن ألفت النظر إلى قضية مهمة، و هي أن التقوى صفة ينبغي على الحاج أن يلجها قبل مغادرته؛ و ذلك لأن الله جعلها خير زاد، فهو يشير هنا إلى أن التقوى هي الصفة التي ينبغي على الحاج أن يتزود منها قبل خروجه إلى الحج، و إنما استنبطنا تلك الإشارة من كون الآية هنا جعلت التقوى زاداً و جعلته خير زاد، و الزاد في العادة يعد قبل الخروج  لا بعده، إذن فالحاج مطالب قبل خروجه إلى الحج أن يتسلح بالتقوى، فيترك ما نهى الله عنه، و يمتثل ما أمر الله به، حتى يصل إلى تلك الأماكن طاهر القلب نقياً؛ لأنه من المعلوم أن التجليات لا تهبط على القلب المتسخ بالمعاصي و المنكرات، فالتسلح بالتقوى يجعل القلب متهيأً لعطايا الله و هباته في تلك الأماكن المقدسة، و لا شك أن الأمر بالتقوى قبل الحج يستلزم توبة العبد عما كان عليه حتى تتحقق فيه صفة التقوى.

– انشغال الحاج بالذكر و الاستغفار.

نجد أن الله تعالى أمر الحاج بالانشغال في الذكر في عدة مواطن، ففي سورة الحج يبين أن الغاية من إقبال الناس على الحج من كل فج عميق أمران، هما: شهود المنافع، و ذكر الله في أيام معلومات، يقول سبحانه: ( ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله في أيام معلومات )  [الحج 28].

و في سورة البقرة حين الحديث عن آداب الحج تكرر طلب ذكر الله من الحاج في عدة مواطن، فعند الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام يأمرهم بالذكر، فيقول: ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام و اذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) [البقرة 198].

و نلاحظ أنه سبحانه يلهب مشاعر المؤمنين بالإقبال على الذكر عند المشعر الحرام بصيغة الأمر، و بتذكيرهم أنه من قبيل شكرهم لله على هدايته لهم؛ حثاً لهم على الإقبال على ذكر الله تعالى، ثم يأمرهم بالاستغفار عند الإفاضة، فيقول:  ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) [ البقرة 199].

و كذلك يأمرهم بالذكر عند انقضاء المناسك، فيقول: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً ) [البقرة 200].

و نلاحظ هنا أنه أمرهم بذكر الله ذكراً أشد من ذكر آبائهم الذي كانوا يفعلونه عند انقضاء النسك، وهذا يعني أن الحاج مطالب بالإكثار من الذكر عند انقضاء المناسك، و إنما استنبطنا أنه مطالب بكثرة الذكر؛ لأنه جرت عادة الناس بعد الفراغ من الناس أن تتحرك أشواقهم إلى أهليهم و آبائهم؛ لقرب العودة و عدم وجود ما يشغلهم من النسك، و عندئذ تكثر ذكراهم لأهلهم، فالله يأمرهم أن يكون ذكرهم لله أكثر من ذكر الآباء و الأهل الذي هو كثير في تلك الآونة، و الغرض من طلب الذكر بعد انقضاء المناسك هو أن يحافظ العبد على نورانية الحج، و أن لا يضيعها بأحاديث تذهب ببهاء حجته.

ثم نجده أيضاً يأمر بالذكر في أيام منى، فيقول: (واذكروا الله في أيام معدودات ) [ البقرة 203 ].

و لعلنا نلاحظ أنه قد تكرر طلب الذكر في آيات الحج، و هذا يعني التأكيد على طلب الذكر من الحاج و يشير بنفس الوقت إلى أهمية الذكر في الحج؛ لأن التكرار وسيلة من وسائل التوكيد، ويشير بنفس الآونة إلى الاهتمام بالأمر المكرر.

– التواضع في الحج.

فالحاج مأمور بالتواضع في الحج في أخلاقه و في لباسه و في مأكله و في مشربه، و ذلك حتى يكون محط نظر الله و رحمته؛ لأن الله يمقت الكبرياء و أهله،  فالكبرياء يخرج الحاج من دائرة رحمة الله، و نجد الإشارة إلى طلب التواضع في قوله تعالى: ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) [البقرة 199]. فالحاج مأمور بأن يكون كسائر إخوانه من الحجيج؛ حتى لا يكسر قلب الفقير منهم، فكسر قلب الفقير أمر خطير يبعد فاعله عن أن يكون في نظر الله، و من هنا فالحاج مأمور بعدم التكبر أو التفاخر سواء في المركب أم في الملبس أم في المُقَام، فعن أنس رضي الله عنه قال: حج رسول الله على رحل رث و قطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، ثم قال: اللهم حجاً لا رياء فيه و لا سمعة [ رواه الترمذي في الشمائل و ابن ماجة ].

و قد يقول بعضنا: لا دليل في الآية على التواضع إنما هي تتعلق بأقوام كانوا لا يفيضون من حيث أفاض الناس كما هو معروف في سبب نزول هذه الآية.

و الجواب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

– إكثار الحاج من الدعاء و أن يطلب لدنياه و آخرته معاً.

و إنما كان من أدب الحج إكثاره من الدعاء؛ لأن تلك الأماكن مظنة لإجابة الدعاء فيها، فلله تجليات في الأمكنة و في الأزمنة و في الأشخاص، و لقد حثنا القرآن على الإكثار من الدعاء في تلك الأماكن، و بين أن الناس على صنفين: صنف يطلب لنفسه أمور الدنيا فقط، و صنف يطلب الدنيا و الآخرة، أما الصنف الأول فيعطى الدنيا و ليس له نصيب من الآخرة، و أما الصنف الثاني فيطلب الدنيا و الآخرة، فيعطى خيري الدنيا و الآخرة، و لا شك أن ذكر هذين الصنفين فيه إشارة لأن العاقل هو من يطلب الاثنين معاً؛ لأن طالب الأولى يعطاها فقط دون الأخرى، أما طالب الاثنتين فيعطاهما معاً، فالصنف الأول محروم من الأخرى، أما الصنف الثاني فيغنم الأولى و الأخرى، يقول سبحانه و تعالى: ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) [البقرة 200 – 201 - 202].

فلقد بينت الآية أن بعض الناس يطلب الدنيا، فيعطاها لكن لا خلاق له و لا نصيب في الآخرة، و أن بعضهم يطلب في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و يستجير بالله من عذاب النار، و هؤلاء هم الذين يعطون نصيبهم من كل أمر سألوه، و الحق أن بيان هذه الآية للصنفين، و بيان ما يلقاه كل صنف وما يحصده من دعوته، هو عبارة عن وضع نماذج للناس تشويقاً لهم إلى اختيار ما هو الأعظم ترتيباً في الجزاء، و هم الصنف الثاني، فالآية تحث على انتهاج سلوكهم من خلال ما ذكره من ثمرات دعواتهم، و من خلال الإشارة إليهم بإشارة البعد إيذاناً بعلو مرتبتهم، وحثاً للسامعين على سلوك طريقهم، و من خلال ما بينه من نيلهم نصيباً من كل أمر كسبوه، فهنا إذن نيل للنصيب و كسب، يقابله في الفئة الأولى نفي للخلاق و النصيب، و في هذا حث للناس على سلوك منهج الفئة الثانية؛ لأن العاقل دائماً يفضل ما له فيه مغنم، لا ما فيه نقص ومغرم.

و أكتفي بهذا القدر من الآداب التي استخرجتها من الآيات التي وردت في الحج سائلاً المولى الكريم أن يجعلنا من أهل الالتزام بالآداب في كل عبادة.  آمين.

 

د. محمد حسن قسام

واعظ بدائرة الشؤون الإسلامية و العمل الخيري بدبي.