آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   فلسطين المحتلة
أسطورة الحقوق التاريخية والدينية لإسرائيل



مرات القراءة:2993    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

أسطورة الحقوق التاريخية والدينية لإسرائيل

بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان

 

تحدث كارودي في كتابه القيم (( إسرائيل الصهيونية السياسية)) عن أسطورة الحقوق التاريخية لليهود في فلسطين ، تلك الحقوق التي حاولت الحركة الصهيونية العالمية أن تعتمد عليها في الدفاع عن حقها التاريخي في فلسطين .

وقد في إعلان إنشاء دولة إسرائيل يوم14 مايو 1948 مايلي :( بموجب الحق الطبيعي والتاريخي للشعب اليهودي ) وهذه العبارة تبرر

لإسرائيل الحق في الطالبة بأرض فلسطين ، بموجب حقها التاريخي والطبيعي ، وكأن أرض فلسطين كانت منذ أقدم التاريخ ملكاً للشعب اليهودي ثم سلبت تلك الأرض منهم ، وهذا الواقع التاريخي يعطي إسرائيل الحق في استرداد تلك الأرض ، واستعمال كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق ذلك الأمل المعتمد على حق تاريخي وديني

وأورد (( كارودي )) نصوصاً متعددة نصت أن أسطورة الحقوق التاريخية لاتعتمد على أي دليل علمي ، وإن العبرانيين لم يشكلوا شعباً مستقلاً قائماً بذاته ، وإنما كانوا جزءاً من الهجرات البدوية الكبرى التي استقر بعضها في أرض كنعان ، واستقر البعض الآخر في مصر ولما حاول الغزاة الهكسوس الانتقال بالاستيطان في مصر للبحث عن المراعي تبعهم العبرانيون ، ولما طرد الهكسوس من مصر اعتبرت القبائل التي دخلت معهم وتعاونت معهم من الخونة ، وعوملوا معاملة قاسية ، وأطلق عليهم اسم (( عابرو)) ثم هربوا من مصر خوفاً من الفراعنة ، ولم يرد – كما يقول الأب ديغو في كتابه التاريخ القديم لإسرائل مايؤكد وجود إسرائيل في تلك الفترة الزمنية ، سوى رواية واحدة ، وردت فوقر حجر يتحدث عن انتصارات أحد الفراعنة عام 1225 وتذكر تلك الرواية أن ذلك الفرعون أخذ يستولي على المدن الفلسطينية ودمر خلال ذلك إسرائيل ، وقد يكون المراد بإسرائيل في هذه الرواية هي مجموعة القبائل التي هربت من مصر والتي استوطنت بعض أراضي فلسطين ، وذلك لايعني أن العبرانيين كانوا الشعب الوحيد الذي استوطن فلسطين ، إذ من المؤكد أن هناك قبل ذلك الاستيطان شعباً فلسطينياً أصلياً من الكنعانيين والحيثيين كان يسكن فلسطين قبل هجرة العبرانيين من مصر

ولاتشير الروايات التاريخية كما يقول (( كارودي )) إلى أن إسرائيل تملك حقاً تاريخياً باعتبارها أول من شغل أرض فلسطين ، إذ من المؤكد أن سكان فلسطين ينحدرون من السكان الأصليين الكنعانيين  الذين يعيشون فوق أرض فلسطين منذ بدء العصر التاريخي وهم أقدم من العبرانيين الذين كانوا كغيرهم من الغزاة الذين حاولوا أن يستوطنوا أرض فلسطين ، وليس هناك ما يؤكد من الناحية التاريخية أن العبرانيين يتميزون عن غيرهم من الغزاة بأي حق خاص ، يبرر لهم ادعاء ذلك الحق التاريخي

وتفيد نصوص التوراة إلى أن نبي الله داود حاول أن يتعاون مع مجموعة من الفلستيين والكريتيين وهم سكان فلسطين الأصليون وأقام مملكة في أورشليم ، مغتنماً البابليين والمصريين ، ثم خلفه على العرش ولده سليمان ، ثم انقسمت مملكة داود إلى إسرائيل شمالاً ويهوداً جنوباً ، وفي عام 721ق .م غزا الآشوريون إسرائيل ، وفي 587 ق .م استولى البابليون على مملكة يهودا وخضع العبرانيون لحكم الأمم التي استولت على فلسطين كالفرس والإغريق والرومان ، ولما حاول العبرانيون الثورة ضد الرومان في القرن الأول للميلاد وفشلت تلك الثورة تفرق العبرانيون على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وتهدم معبدهم ولم يبق منهم أحد في فلسطين

وقد سمح لهم صلاح الدين الأيوبي بالعودة إلى القدس بعد استيلائه عليها نظراً لما حل بهم من نكبات وآلام ، وعندما حاولت محاكم التفتيش في إسبانيا أن تضطهد اليهود بسبب التعصب المسيحي ، بعد أن عاشوا لمدة ثمانية قرون في ظل الحكم الإسلامي الذي كان يحميهم من انتقام المسيحيين المتعصبين

تلك هي الأسطورة التاريخية التي تحاول إسرائيل أن تعتمد عليها لتبرير حقها في أرض فلسطين ، وهي تحرف التاريخ وتعتمد على روايات تاريخية تؤكد ذلك الحق ، وهي روايات لايمكن الاعتماد عليها من الناحية التاريخية لإن الروايات الموثقة تؤكد أن هناك شعباً كان يسكن أرض فلسطين قبل هجرة العبرانيين إلى تلك الأرض ، وإن الهجرة العبرانية لم تكن الهجرة الوحيدة فقد كانت هناك هجرات متلاحقة ، من القبائل البدوية التي كانت تنتقل بين مدن فلسطين ومصر ، تبحث عن المراعي وإن سكان فلسطين هم خليط من شعوب حكمت وتعاقبت على أرض فلسطين قبل الميلاد

وإذا كان العبرانيون قد أقاموا دولة عبرانية في فلسطين في عهد داوود وسليمان ، فإن تلك الدولة لم تلبث أن انقسمت على  نفسها ثم اضمحلت بعد الغزو الآشوري والبابلي إلى أن جاء الرومان لكي يقضوا نهائياً  على الوجود اليهودي في فلسطين

تلك هي الأسطورة التاريخية ، وهي أسطورة ليست كافية للإقناع ، ولاتبرر ذلك الحق ، ولهذا فإن إسرائيل حرصت على أن تدعي الحق الديني والأسطورة التوراتية ، وذلك عن طريق ادعاء فكرة ( الوعد الإلهي ) للشعب اليهودي لإنه الشعب المختار

ويعبر كارودي عن هذه الفكرة بقوله : وفكرة الشعب المختار فكرة صبيانية من الناحية التاريخية ، فكل الشعوب قد عبرت في الكتابات الصادرة منها عن ذلك الإحساس بأنها متميزة عن غيرها ، وتترجم ذلك بعبارة (( الاختيار)) فلماذا نصدق ما يقوله شعب واحد عن نفسه ولانصدق الآخرين !

(( فكرة الشعب المختار فكرة إجرامية من الناحية السياسية ، لإنها هي التي أضفت دائماً صفة القداسة على كل ألوان العدوان والتوسع والسيطرة ) )

((وفكرة الشعب المختار من الناحية اللاهوتية فكرة لايمكن احتمالها ، فوجود مختارين معناه وجود مبعدين غير مرضي عنهم ، فكل سياسة تقوم على هذه الأسطورة تؤدي بالضرورة إلى إنكار الغير وعدم الاعتراف بهم ، ومن ينكر غيره فهو جاحد بعيد عن الله الذي يسوي بين الناس جميعاً ))  

ويعلل بعض المؤرخين سبب ادعاء إسرائيل فكرة الحق الديني التوراتي مع أن روح الدين اليهودي يتناقض مع ذلك بأن الفلسفة الصهيونية لايمكن قيامها ونجاحها مالم تعتمد على أساس ديني يثير مشاعر اليهود في العالم ، فإذا ألغت الصهيونية فكرة أرض الميعاد والشعب المختار فإنها ستفقد مبرر وجودها ، وسوف ينهار في هذه الحالة أساس الحركة الصهيونية لإن يهود العالم لن يكونوا مستعدين للهجرة والتضحية في سبيل إقامة دولة صغيرة ذات طبيعة قومية محدودة ، وفي ظل إمكانات لاتوفر لتلك الدولة القدرة على الامتداد والتوسع  ، ولهذا فالحركة الصهيونية حاولت أن تجعل من الدين مطية ذكية لإقناع يهود العالم بفكرة أرض الميعاد 

وقد نقل كارودي نصوصاً من أقوال زعماء إسرائيل تؤكد أنهم يحرصون باستمرار على أن يبرزوا ذلك الحق التوراتي في محاولة ذكية لاستغلال مشاعر اليهود في العالم كله

قالت جولدا مائير في محاولة ذكية لاستغلال مشاعر اليهود في العالم كله

قالت جولدا مائير في تصريح لها لجريدة الموند الفرنسية بتاريخ 15 أكتوبر 1971 عندما تحدثت عن شرعية وجود إسرائيل : وجد هذا البلد تنفيذاً لوعد الرب ذاته ، ولهذا لايصح أن نسأله إيضاحاً عن شرعية ذلك الوجود ))

وقال بيغن في مقال نشرته جريدة دافار في ديسمبر 1978: (( لقد وعدنا هذه الأرض ولنا الحق فيها ))

وقال موشي ديان لجريدة جيروزالم بوست في 10 أغسطس 1967 : وإذا كنا نملك الكتاب وإذا كنا نعتبر أنفسنا شعب التوراة فينبغي أن نمتلك أيضاً بلاد التوراة بلاد القضاة ، أرض أورشليم وحبرون وريما وأماكن أخرى )

ومن الصعب التسليم بهذه الأسطورة الدينية والاعتماد عليها ، ولو صح الاعتماد على مثل هذه التصورات الدينية لأدى ذلك إلى حروب متواصلة ، وصراعات متتالية ، وهل يمكننا تصور أن الدين اليهودي يمكن أن يقبل تلك المذابح الوحشية والأعمال التي تتنافى مع قيم الدين وتعاليمه ، وإذا كان الدين اليهودي يقبل ذلك فإن من المؤكد أن هذا الدين لايمكن أن يكون ديناً سماوياً لإن الأديان السماوية ترفض هذا المنهج في التعامل ، وإذا كان الشعب اليهودي هو شعب الله المختار فماذا تصنع الشعوب المسيحية والشعوب الإسلامية وأين موقعها ؟

لاشك أن أسطورة الحق الديني هي أسطورة صنعتها الحركة الصهيونية وأبدعتها ، وهيأت نصوصها ، لكي يكون يهود الشتات في العالم كله مهيئين لقبول هذه الحقنة المخدرة ، التي أرادت استخدامها لتحقيق حلم استعماري لايختلف من حيث الأثر عن الأحرم الاستعمارية في القرن التاسع عشر

والغريب في الأمر وهذا مايدعو للدهشة والاستغراب أن العالم الأوروبي المسيحي يقبل الأساطير الصهيونية ، وهو يعلم جيداً أنها مجرد أساطير وهمية ، سواء أسطورة الحق التاريخي أو أسطورة الحق الديني ، وكيف يمكن للعقل المسيحي في المجتمع الغربي أن يقبل فكرة الشعب المختار ، وهي فكرة تتناقض كل التناقض مع التعاليم المسيحية ، لإن الشعب المسيحي لن يكون ذلك الشعب الذي اختارته العناية الإلهية

ولايمكن للخطاب الإلهي أن يخص شعباً بالاختيار أو يفضله بسبب عرقه على غيره من الشعوب وإلا كانت دعوة الأديان دعوات قومية متعلقة ، تثير من الصراع أكثر مما تحققه من تعاون ، ولو صح ورورد خطاب إلهي إلى الأمم يخصها بالعناية والاختيار فإن ذلك لايقصد بالأمة تلك الأمة العرقية ، وإنما يخص الأمة بالمفهوم الأشمل ، أمة الإيمان وأمة الاعتقاد وأمة الالتزام بما جاء في الخطاب الإلهي من تعاليم

أما الأمم بالمفهوم العرقي فذلك لايمكن التأكد منه من الناحية التاريخية ، لوجود عوامل متعددة ، يتداخل بعضها مع البعض  الآخر ، لكي يجعل مفهوم الأمة مفهوماً خاضعاً لعاملين اثنين ، عامل المساكنة ، والمعايشة التي تبرزه وحدة اللغة ووحدة التاريخ ووحدة المصالح ووحدة الثقافة والخصائص ، وعامل الإرادة الذي يتمثل في مشاعر نفسية وروحية تعمق الروابط المادية ، وتجعلها روابط مؤثرة في الإرادة والسلوك ومتأثرة بالوعي الداخلي الذي يتفاعل إيجابياً في أعماق الأفراد

ذلك مفهوم يتناقض كل التناقض مع المفهوم الصهيوني الذي أراد أن يقيم أمة على أساس عرقي ويعتمد على تاريخ ويدعي حقاً من الحقوق التوراتية ، وتلك أحلام  ماكانت تترامى لليهود قبل نشوء الحركة الصهيونية لإن اليهودي كان يرى في اليهودية ديناً موحداً لكل يهود العالم في إطار التزام ديني معين ، وكانت فلسطين بالنسبة لليهود هي أرض المقدسات ، قامت عليها دولة عبرانية لم يطل أمرها ثم أبادتها حضارات وأمم وشعوب كانت أقوى منهم حضارة وقوة حكمت فلسطين وأبقت على سكان فلسطين الذين سكنوها منذ خمسة آلاف سنة قبل أن تهاجر إليها قبائل عبرانية هربت من مصر خوفاً من الفراعنة

تأملت كل ذلك ... ثم تساءلت :

ذلك الحق الديني الذي تدعيه إسرائيل وهو حق موهوم ، يجد المتعصبون فيه حقاً ثابتاً يحلمون به ، ويجد الطامحون السياسيون فيه أداة لتحريك المشاعر الدينية لتحقيق حلم الحركة الصهيونية في إقامة دولة يهودية فوق أرض فلسطين

ذلك الحق الديني كيف يمكن للعالم المسيحي أن يقر به ويسانده في الوقت الذي كانت اليهودية هي الخصم الأكبر للمسيحية وماتزال

ثم تساءلت مرة ثانية ومن حقي أن أتساءل :

لماذا تخشى كل من الصليبية والصهيونية من المشاعر الإسلامية  ومن انتشار الإسلام وترى فيه من الأخطار مايهدد به مصالحهما في المنطقة أولاً وفي العالم ثانيا؟؟!

ولماذا تكون الحقوق الدينية للشعب اليهودي موطن قبول واهتمام ولاتكون الحقوق الدينية والعرقية والتاريخية لشعب فلسطين في موطن القبول والاهتمام ؟!

أليست فلسطين هي موطن القداسات بالنسبة لكل سكان فلسطين من المسلمين والمسيحيين واليهود!

لاأظن أننا نحتاج إلى الجواب ....

فالجواب كامن في نفوسنا ، نعلمه ونحس  به لإننا نؤمن أن القضية أولاً وأخيراً ليست هي قضية دينية وليست قضية أرض وإنما هي قضية صراع بين حضارات ، وصراع الحضارات لايتوقف ولاينتهي إلا بانتصار حضارة وانهزام حضارة ، وأهم عوامل الانتصار والانهزام في صراع الحضارات – كمايحدثنا التاريخ وهو المعلم الأكبر – إرادة الشعوب والأمم ومدى استعدادها للتضحية والاستشهاد .

 

*نشر هذا المقال بجريدة ( الرأي العام الكويتية ) بتاريخ 21-7-1985م