آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    العقيدة والفكر   أبحاث في الفكر الإسلامي
أصولنا الثقافية أمام الإشكالات



مرات القراءة:2308    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

أصولنا الثقافية أمام الإشكالات

 

الشيخ الدكتور محمود الزين

 

ثقافتنا الإسلامية وعلومها لها أصول مفصلة شاملة من لم يعرفها لم يعرف هذه الثقافة وعلومها ووقع في أخطاء خطيرة دون أن يشعر ذلك إذا افترضنا فيه حسن النية والسلامة من الغاية الشخصية

وأول هذه الأصول الضوابط اللغوية والاصطلاحية لدلالة الألفاظ والأساليب ثم الضوابط العقلية لفهم مرامي الكلام ومقاصده ، وهذا أمر طبيعي لا يختلف عليه عاقلان فلكل لغة قواعدها التي لابد من معرفتها لمن يقرأ بها ويكتب ، ولكل علم خصائصه العقلية المفصلة فضلاً عن الخصائص العقلية العامة التي يحتاج إليها في كل العلوم

أردت التذكير بهذا – وهو في الأصل أمر بدهي لايحتاج إلى التذكير – لأن جماعة من مثقفي عصرنا لم يعودوا يأبهون لذلك لأنهم في عصر الحرية يقول فيه من شاء ماشاء

ومن أظهر المشكلات وأخطرها في هذا الباب أن أحد الكتاب المعاصرين زعم أن ماوقع في النصرانية من التداخل بين الكلام والمتكلم حتى قالوا : إن عيسى كلمة الله فهو نفسه – قد وقع مثله في الإسلام في الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة حول خلق القرآن وهو كلام الله إذ يقول أهل السنة : إن القرآن كلام الله وهو صفة قديمة قدم ذاته ، ويقول المعتزلة : إنه مخلوق لله وليس صفة له إلا بمعنى أنه من صنفه

وهذا القول الذي زعمه هذا الكاتب ليس له مستند في ثقافتنا الإسلامية وعلومها إنما هو استنتاج اختلطت على صاحبه الأمور ، والأمر محتاج إلى الإيضاح من جهتين :

إحداهما : حقيقة المسألة عند المسلمين سنة ومعتزلة

والثانية : - وهي مرتبة على الأولى – الفرق بين مسألتنا هذه ومسألة النصارى

والجهة الأولى ينبه فيها قبل إيضاحها إلى أمر مهم : هو أن الخلاف ليس حول الألفاظ فالألفاظ متفق بين الفريقين على أنها مخلوقة ، إنما الخلاف حول المعنى النفسي أي الصفة التي بها يخاطب الله غيره لإبلاغه المعنى الذي في نفسه سبحانه فهذه الصفة قائمة بالذات الإلهية بجانبيها : المعاني النفسية وقدرة الخطاب ، أما الألفاظ الدالة على تلك المعاني فهي مخلوقة ، والإمام أحمد بن حنبل لايقول خلاف هذا بل يمتنع عن الكلام في هذه المسألة أصلاً لأنه أنكر القول بأن القرآن مخلوق وأنكر القول بأنه غير مخلوق ، مع أنه لابد من أحدهما لأن النقيضين لايثبتان معاً ولاينتفيان معاً بل يثبت أحدهما فينتفي الآخر ، وكان يقول : القرآن كلام الله لاأقول مخلوق ولاغير مخلوق ، وذلك حرص على ألا يفتح باب المسألة فيخطئ الناس فيها لما فيها من الدقة والغموض .

أما المعتزلة فيقولون : إن الكلام هو الألفاظ وما يسميه أهل السنة المعنى النفسي هو عندهم شيء لاوجود له في الواقع إنما هو افتراض .

وأما قول النصارى إن عيسى كلمة الله – وهذا حق – وإن الكلمة هي الله فعيسى هو الله فهو استنتاج لايوافق الأصول العلمية – ولسنا بصدد محاورتهم في هذا فذلك أمر آخر له موضعه الذي يبحث فيه

إنما الذي يظهر الفرق بين قولنا وقولهم بيان الجهة الثانية وهو أننا نقصد بالكلمةوالكلام غير مايقصدون فنحن نقول كما قال القرآن بأنه كلمة الله بمعنى أوجدته كلمة الله وهي كلمة ( كن ) فهو أثر الكلمة وليس هو كلمة ( كن ) نفسها عند المسلمين كلهم ، بينما يقول النصارى حين يوضحون مرادهم إن الكلمة تجسدت فكانت عيسى عليه السلام  ، والخلق كلهم أثر كلمة ( كن ) وإنما خص عيسى بهذا التعبير (( كلمة الله )) لأنه لم يخلق كبقية المخلوقات مقروناً بالأسباب المعتادة بل بالكلمة وحدها ، وهذا مثلما نقول عن الأشياء : (( هذا خلق الله )) بمعنى (( هذا مخلوق لله )) بإطلاق لفظ المصدر على المفعول به ، والأصل أن الخلق هو فعل الله تعالى والمخلوق أثر هذا الفعل ، وكذلك قولنا : (( هذا صنع الله ) ونقول : (( هذه كتابتك )) ونقول لمن آذى نفسه بما عمل : (( هذا عملك )) ولايمكن إدراك حقيقة هذه الفروق من مطالعة الكتب الإسلامية دون معرفة دلالات الألفاظ التي تستعمل فيها ، أو دون معرفة أصول المسائل الاعتقادية وغيرها عند المسلمين وعند غيرهم ، فهذا الهجوم دون استعداد تختلط فيه الحقائق ويوقع الباحث في هوّة الأخطاء والشبهات

وهذا عند افتراض حسن 1لنية والقصد لدى الباحث والكاتب ، أما عند افتراض غير ذلك فإن الغايات موضوعة قبل البحث وقبل الدليل وإنما يؤتى حينئذٍ بالدليل تبريراً ، وهذا لادواء له